واعلم أنّ الذي فتق أكمام هذه اللطائف حتى تفتّحت أَزرار أزهارها ، وتعانقت أغصانها ، وتأَنّقت أفنانها ، وتناسَبَت محاسنُ آثارها ، هو مقدّمة الآية وديباجتها ، فإنّه لمّا افتتح الكلام في هذه القصّة البديعة بالاختصار العجيب ، بأن طرح حرف النداء من قوله « ربِّ » وياء النفس من المضاف ، أشعر أوّلها بالغرض ، فلأجل تأسيس الكلام على الاختصار عقّبه بالاختصار والإجمال ، واكتفى بذكر هاتين الجملتين عمّا وراءهما من تلك المراتب العشر التي نبّهنا عليها والحمدُ للّه . « 1 »
أعجب آية باهرة
قوله تعالى :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » .
« 2 »
قد مرّت عليك قصّة النفر من فصحاء قريش أزمعوا ليعارضوا القرآن ، فعكفوا على لطيف الغذاء من لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة ، حتى بلغوا مجهودهم ، فإذا فوجئوا بنزول هذه الآية ، فطووا ما أزمعوا ويئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنّه لا يشبه كلام مخلوق . « 3 »
الأمر الذي دعا بعلماء الأدب والبيان أن يجعلوا هذه الآية بالذات موضع دراستهم والبحث عن مزاياها الخارقة ، فخاضوا عبابها واستخرجوا لبابها في عرض عريض .
وممّن أجاد فيهذا الباب هو الإمام أبو يعقوب السكاكي في كتابه « مفتاح العلوم » .
فبعد أن تكلّم عن شأن البلاغة وعجيب أمره ، وأنّه ممّا يدرك ولا يوصف - كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، والملاحة يبهر حسن منظرها ولايستطاع نعتها . . . وأضاف أنّ مدرك « الإعجاز » هو الذوق ليس إلّا ، وطول خدمة علمي المعاني والبيان . . . - ذكر شاهدا على ذلك متمثّلًا بالآية الكريمة ، ومعرّجا على تعداد مزاياها ومفارقاتها عن سائر الكلام ، قال :
هامش
( 1 ) - الطراز للأمير العلوي ، ج 3 ، ص 416 - 420 .
( 2 ) - هود 44 : 11 .
( 3 ) - العمدة لابن رشيق ، ج 1 ، ص 211 ؛ وراجع : الجزء الرابع من التمهيد ، « شهادات وإفادات » .