فهناك ما يقسم له ، وهو المطلوب والمدّعى ثبوتُه ، تجاه من ينكره أو يلوح منه أمارات الإنكار ، حسبما سبق في كلام السكّاكي . وما يقسم به ، وهو المتسالم عليه حتّى لدى الخصوم ، ويكون كبيّنة أو شاهد على إثبات المدَّعى .
ومن ثمّ فمن الضروري أن يقع الحلف بما هو حقّ واقع وحقيقة ثابتة لامرية فيها .
وما تلك الأيمان في القرآن - بالكائنات - إلّا جريا مع حقيقة القسم وطبيعته الهادفة إلى التوكيد عن طريق التشبيه . الأمر الذي يستدعي أن يكون المقسم به ، شيئا أو أمرا ثابتا لائحا لا غبار عليه .
إذن فالذي يؤدّيه القسم هو التشبيه محضا تشبيها لما لا ينبغي الشكّ فيه بما لا شكّ فيه يقينا .
قال تعالى :
« فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ »
« 1 » . أي كما أنّه لا شك في فاطر السماوات والأرض ، « 2 » كذلك لا ينبغي الارتياب في أنّ الرزق مقسوم من السماء
« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . . . »
« 3 » .
وقال :
« وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ . وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ . النَّجْمُ الثَّاقِبُ . إِنْ كُلُّ نَفْسٍ
إلا
عَلَيْها حافِظٌ »
« 4 » .
« وَالشَّمْسِ وَضُحاها . وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها . وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها . وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها . وَالسَّماءِ وَما بَناها . وَالْأَرْضِ وَما طَحاها . وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها . . . »
« 5 » .
« ما » في هذه الآيات مصدريّة ، أي : والسماء وبنائها . والأرض وطحوها . والنفس وتسويتها . كما أقسم بالشمس وضحاها .
فقد وقع الحلف في هذه الآيات السبع بأحد عشر شيئا ، كلّها ثابتات يقينيّات لا مرية
هامش
( 1 ) - الذاريات 23 : 51 .
( 2 ) -« أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »إبراهيم 10 : 14 .« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »الزخرف 87 : 43 .
( 3 ) - الذاريات 22 : 51 .
( 4 ) - الطارق 1 : 86 - 4 .
( 5 ) - الشمس 1 : 91 - 10 .