سائغا لذّةً للشاربين .
هذا هو الذي تجده في كتاب اللّه الكريم ، حيثما توجّهت وأينما تولّيت بوجهك . إنّه في فسحة قصصه وأخباره عن الماضين ، لا ينسى حقّ العقل من حِكم وعِبر . وأنّه في مزدحم براهينه ودلائله ، لا يغفل حظّ القلب من رغبة ورهبة وشوق ورجاء . يبثّ ذلك بوفرة شاملة ، في جميع آياته وبيّناته ، في مطالعها ومقاطعها وتضاعيفها ، الأمر الذي
« تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » .
« 1 » و
« إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَما هُوَ بِالْهَزْلِ » .
« 2 »
أنواع من الاستدلال البديع في القرآن
قلنا : من بديع بيانه تعالى لإقناع الخصوم هو ذاك لطيف برهانه ، همسا في الأسماع ووخزا في القلوب . فتلك حججه قاطعة ودلائله لائحة ، ترفع الغبار عن وجه الحقيقة بيدٍ ناعمة ولمسٍ خفيف ، وتكشف النقاب عن محيّى الحقّ بإشارة خفية نافذة إلى الأعماق .
وممّا وقف عليه العلماء من أسرار بيان القرآن هو جمعه لأنواع البراهين العقلية ، ولكن لابمثل تلك التعقيدات التي تكلّفها المتكلّمون ، بل جريا مع المتعارف من الكلام المعقول .
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ » .
« 3 » فإنّ الراغب في دقيق المحاجّة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام . ومن استطاع أن يفهم الأكثر بالأوضح من البيان لايلجأ إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلّا الأقلّون .
فقد أخرج اللّه تعالى مخاطباته في محاجّة العباد في أبهى صورة وأجلى بيان ، ليفهم العامّة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجّة ، وتفهم الخواصّ من أثنائها مايربي على ما أدركه فهم الخطباء ، وهذه مزيّة خارقة في القرآن ، قناعة كافية للعوام ، وحجّة وافية للعلماء ، وبذلك فاق سائر الكلام .
هامش
( 1 ) - الزمر 23 : 39 .
( 2 ) - الطارق 13 : 84 - 14 .
( 3 ) - إبراهيم 4 : 14 .