ومن ثمّ عقّبها بقوله :
« قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » .
« 1 »
القول بالموجب
قال ابن معصوم : هو نوع من البديع غريب المعنى ، لطيف المبنى ، راجع الوزن في معيار البلاغة ، مفرغ الحسن في قالب الصياغة . وهو والأسلوب الحكيم « 2 » رضيعا لبان وفرسا رهان . « 3 »
قال ابن أبيالإصبع : هو أن يتكلّم أحدٌ بشيء ، فيعمد السامع إلى لفظة من كلامه ، فيبني عليها ويناقضه بسببها ، ردّا عليه من كلام نفسه . وذلك يوجب معاكسة مقصود المتكلّم ونقض غرضه . قال : لأنّ حقيقة القول بالموجب هو ردّ كلام الخصم من فحوى لفظه « 4 » وهو نوع « المسلّمات » من القياس الجدلي في مصطلح علماء الميزان . « 5 »
نعم ، هو من ألطف أنواع البديع ، فيمعاكسة كلام صديق أو مناقضة قول خصيم .
قال ابن حجّاج :
قُلتُ ثَقَّلتُ إذ أتَيتُ مرارا * قالَ ثَقَّلتَ كاهِلي بالأَيادي
قُلتُ طوَّلتُ ، قالَ لي بل تطوَّل - * - تَ وأَبرمتُ ، قالَ حبلَ ودادي
* * * * ومن أمثلته في القرآن المجيد قوله تعالى :
« يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ »
- يريدون بالأعزّ أنفسهم ، وبالأذلّ المؤمنين . . . وصادقهم تعالى على إخراج الأعزّ الأذلّ ، غير أنّه تعالى فسّرهما على عكس مطلوبهما
« وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
هامش
( 1 ) - الأنعام 145 : 6 .
( 2 ) - سنأتي عليه ، وهو : تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب ، بحمل كلامه على خلاف مراده ، تنبيها على أنّه الأولى بالقصد . كقول القبعثري للحجّاج لمّا قال له متوعّدا : لأحملنّك على الأدهم - أراد به القيد - فقال : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب - أراد به الفرس - . راجع : أنوار الربيع ، ج 2 ، ص 211 .
( 3 ) - أنوار الربيع ، ج 2 ، ص 198 .
( 4 ) - بديع القرآن ، ص 314 .
( 5 ) - هوالقياس المؤلّف من قضايا مسلّم بها لدى الخصم ، فيبتنى عليها الكلام لدفعه .