إنّ للنفس الإنسانية جهتين : جهة تفكير يكون مركزه العقل ، وجهة إحساس يكون مركزه وجدان الضمير ، وحاجة كلّ واحدة منهما غير حاجة أختها . فأمّا إحداهما فإنّها تنقّب عن الحقّ لمعرفته أوّلًا ، وللعمل به ثانيا . وأمّا الأخرى فإنّها تحاول تسجيل أحاسيسها بما في الأَشياء من لذّة وألم ، ومتعة وغذاء للنفس .
والبيان التامّ هو الذي يوفّي لك للحاجتين جميعا ، ويطير بنفسك بكلا الجناحين ، فيؤتيها حظّها من الفائدة العقلية ، إلى جنب إيفائها متعة الوجدان وإشباع غريزتها في عواطف الإحساس .
أمّا الحكماء فإنّما يؤدّون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك ، ولايهمّهم جانب استهواء نفسك ونهم عاطفتك ، يقدّمون حقائق المعارف والعلوم ، لايأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوٍّ عن الطباع .
وأمّا الشعراء فإنّما يسعون إلى استثارة وجدانك وتهييج عواطفك وأحاسيسك ، وإمتاع سمعك وضميرك ، فلا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيّا أو رشدا ، وأن يكون حقيقةً أو تخيّلًا ، فتراهم جادّين وهم هازلون ، يستبكون وإن كانوا لايبكون ، ويُطربون وإن كانوا لايطربون
« وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ » .
« 1 »
وكلّ إنسان حينما يفكّر فإنّما هو فيلسوف ، وكلّ إنسان حينما يحسّ فإنّما هو شاعر .
ولا تتكافأ القوّتان : ( قوّة التفكير وقوّة الوجدان ) . وكذا سائر القوى النفسية على سواء . . .
ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فإنّها لا تعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة ، بل متناوبة في حال بعد حال ، وكلّما تسلّطت قوّة اضمحلّت أخرى وكاد ينمحي أثرها . فالذي ينهمك فيالتفكير تتناقص قوّة وجدانه ، والذي يسعى وراء لذائذه عند ذاك تضعف قوّة تفكيره وهكذا لاتقصد النفس إلى هاتين الغايتين قصدا واحدا أبدا
« ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » .
« 2 »
هامش
( 1 ) - الشعراء 224 : 26 - 226 .
( 2 ) - الأحزاب 4 : 33 .