وكلّ موجود - في عالم الخلق ، وهو ما سوى اللّه - فهو كلمته تعالى . كما أطلق على المسيح عليه السلام كلمة اللّه :
« وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ » .
« 1 »
والمعنى : أنّه لو جعلت الأشجار أقلاما والأبحر مدادا - ليكتب بها كلمات اللّه - لنفدت الأقلام والمداد قبل أن تنفد كلمات اللّه ، لأنّها غير متناهية . . . وذلك لأنّ كلماته تعالى إفاضات ، ولاينتهي فيضه تعالى إلى أمد محدود أبدا .
4 - وقال تعالى - ردّا على احتجاج اليهود - :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ » .
« 2 »
امتنعت اليهود من اعتناق الإسلام بحجّة أنّهم على طريقة نبيّهم موسى عليه السلام وعلى شريعته ، ولذلك لا يمكنهم اتّخاذ سيرة أخرى والإيمان بشريعة سواها .
هذا اعتذار زعمت اليهود وجاهته في منابذة الإسلام . . . وقد فنّد القرآن هذا التذرّع الكاسد والاحتجاج الفاسد . إذ لامنافرة بين الشريعتين ولا منافاة بين الطريقين ، والكلّ يهدف مرمىً واحدا ويرمي هدفا واحدا . وقد جاء الأنبياء جميعا لينيروا الدرب إلى صراط اللّه المستقيم ، صراطا واحدا وهدفا واحدا ، لاتنافر ولا تنافي ولا تعدّد ولا اختلاف .
والدليل على ذلك أنّ هذا القرآن يصدّق بأنبياء سالفين وبشرائعهم وكتبهم ومابلّغوا من رسالات اللّه ولو كان هناك تنافٍ وتنافر لما صحّ هذا التصديق .
وقد جاء هذا التصديق بلفظة
« مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ »
في ثمانية مواضع من القرآن . « 3 »
وبلفظة
« مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ »
في ثلاثة مواضع . « 4 »
وبلفظة
« مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ »
في ثلاثة مواضع . « 5 »
ومن ثمّ قال :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
. . .
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ
. . .
وَقُلْ لِلَّذِينَ
هامش
( 1 ) - النساء 171 : 4 . راجع : الميزان ، ج 16 ، ص 245 .
( 2 ) - البقرة 91 : 2 .
( 3 ) - البقرة 97 : 2 ؛ آل عمران 3 : 3 ؛ المائدة 46 : 5 مرّتين و 48 ؛ الأنعام 92 : 6 ؛ فاطر 31 : 35 ؛ الأحقاف 30 : 46 .
( 4 ) - البقرة 89 : 2 و 91 و 101 .
( 5 ) - البقرة 41 : 2 ؛ آل عمران 81 : 3 ؛ النساء 47 : 4 .