ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث شيء ، وأراد الآخر عدم إحداثه ! فلو تحقّقت الإرادتان كان جمعا بين النقيضين . أو غلبت إحداهما الأخرى فهذا ينافي الكمال المطلق المفروض في الإلهين . وإلّا فهو ترجيح من غير مرجّح .
ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث نظام ومخلوق ، والآخر إلى نظام ومخلوق غيره . . . إذا لذهب كلّ إله بما خلق . . . ولكان هناك نظامان وعالمان مختلفان في الخلق والنظام ، وهذا الاختلاف في البنية والنظام يستدعي عدم التآلف والوئام والانسجام ، وسوف يؤدّي ذلك إلى تصادم وأن يطغى أحدهما على الآخر ولعلا بعضهم فوق بعض .
الأمر الذي يقضي بالتماحق والتفاسد جميعا .
وكلّ أولئك باطل بالمشاهدة ، إذ نرى العالم قد وجد غير فاسد . وبقي غير فاسد .
ونراه بجميع أجزائه ، وعلى اختلاف عناصره وتفاوت أوضاعه - من علوّ وسفل وخير وشرّ - يؤدّي وظيفة جسم واحد ، تتعاون أعضاؤه مع بعضها البعض ، وكلّ عضو يؤدّي وظيفته بانتظام ، يؤدّي إلى غرض واحد وهدف واحد . وهذه الوحدة المتماسكة - غير المتنافرة - في نظام الأفعال دليل قاطع على الفاعل الواحد المنظّم لها بتدبيره الحكيم ، وهو اللّه ربّ العالمين .
وهذا هو البرهان القائم على قضايا يقينية في بديهة العقل .
2 - وقال تعالى - بصدد نفي المثل - :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » .
« 1 »
جاءت الدعوى مشفوعة ببرهان الامتناع ، على طريقة الرمز إلى كبرى القياس .
ذلك أنّ « المثل » المضاف إليه تعالى رمز إلى الكمال المطلق ، أي الذي بلغ النهاية في الكمال في جميع أوصافه ونعوته ، الذي هو مقتضى الألوهية والربوبية المطلقة . لأنّك إذا حقّقت معنى الألوهية فقد حقّقت معنى التقدّم على كلّ شيء والمسيطر على كلّ شيء ،
« فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » .
« 2 »
« لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. « 3 »
هامش
( 1 ) - الشورى 11 : 42 .
( 2 ) - الأنعام 14 : 6 وقد جاءت في خمس سوَر أخرى .
( 3 ) - الزمر 63 : 39 .