وهذا من قياس النظير على النظير ، فقد قيس أمر الإعادة على أمر البدء ، قياسا معقولًا ، لأنّ الذي فعل شيئا قادر على أن يفعل مثله ، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . . .
بل المسألة هنا هي الإعادة ، وهي أهون من الإبداع . كما سبق في قوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . . » .
« 1 »
* ومن هذا القبيل قوله تعالى :
« قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » .
« 2 »
استدلال لطيف على إمكان الإحياء ، قياسا على البدء أولًا ، لأنّ الإعادة أهون من الإنشاء . . . ثمّ القياس على المحسوس المشاهد . . . وأنّ الذي ينشئ من العود الرطب نارا كيف يعجزه إفاضة الحياة على العظام الرميم ؟ ! وأخيرا فإنّ خلق السماوات والأَرض أعظم من خلقهم ، وهو القادر والخلّاق العليم بكيفية الخلق والإعادة . . .
* وكذا جميع ماقيس من إعادة الحياة وحشر الأموات ، على إحياء الأَرض بعد موتها بالمطر والإنبات .
* وأجمل حجاج جاء إفحاما للخصم ودحضا لحجّته قوله تعالى :
« وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ . إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
« 3 »
انظر إلى هذه المحاججة اللطيفة والردّ الجميل ، كيف أنّهم أقسموا باللّه لإنكار البعث ، فردّ عليهم بقوله « بلى » ! وأنّ الَّذي تقسمون به فإنّه يناقضكم صريحا !
هامش
( 1 ) - الروم 27 : 30 .
( 2 ) - يس 78 : 36 - 81 .
( 3 ) - النحل 38 : 16 - 40 .