روي عن البراء بن عازب أنّ أعرابيا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله فقال : علّمني عملًا يدخلني الجنة ، فقال : اعتق النسمة وفكّ الرقبة ، قال : أو ليسا واحدا ؟ قال : لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفكّ الرقبة أن تعين في ثمنها .
فتأمّل كيف رتّب الكلامين واقتضى من كلّ واحد منهما أخصّ البيانين فيما وضع له من المعنى وضمنه من المراد .
وجمع هارون الرشيد سيبويه والكسائي ، فألقى سيبويه على الكسائي مسألة ، فقال :
هل يجوز قول القائل : كاد الزنبور يكون العقرب فكأنّه إيّاها أو كأنّها إيّاه ؟ فجوّزه الكسائي على معنى كأنّه هي أو كأنّها هو . وأباه سيبويه ، فأحضر الرشيد جماعة من الأعراب الفصحاء كانوا مقيمين بالباب وسألهم عنها بحضرتهما ، فصوّبوا قول سيبويه ولم يجوّزوا ما قاله الكسائي . قيل : وذلك أنّ حرف « إيّا » إنّما يستعمل في موضع النصب ، وهي هنا في موضع رفع فلم يجز . ومثل هذا كثير ، واستقصاؤه يطول .
قلت : ومن هاهنا تهيّب كثير من السلف تفسير القرآن ، وتركوا القول فيه حذرا أن يزلّوا فيذهبوا عن المراد ، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين .
هذا مع ما حثّ النبي صلى الله عليه وآله على تعلّم إعراب القرآن وطلب معاني الغريب منه ، قال :
أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه . « 1 »
* * * رأينا من المناسب أن نستدرك على البستي بعض ما فاته ، وليس الغرض الاستيعاب ، فهناك فروق ومزايا لغوية يرتفع شأن الكلام برعايتها ، ولا سيّما ما جاء في القرآن من تعابير ذوات اختصاص ربما غفل عنها أهل اللسان أنفسهم لدى الاستعمال :
« العلم والمعرفة » قال الراغب : المعرفة والعرفان إدراك الشيء بتفكّر وتدبّر لأثره ، وهو أخصّ من العلم ، ويضادّه الإنكار . ويقال : فلان يعرف اللّه ، ولا يقال : يعلم اللّه ، متعدّيا إلى مفعول واحد ، لما كان معرفة البشر للّه هي بتدبّر آثاره دون إدراك ذاته . . . ويقال : اللّه
هامش
( 1 ) - بيان إعجاز القرآن ، ص 29 - 34 .