قال : ولم ذاك ؟ قلت : لأنّي سمعت اللّه يقول :
« وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » .
« 1 » وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء ! قال : ليس ذاك الشحّ الذي ذكره اللّه في القرآن ، ولكن الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلما ، ولكن ذاك البخل ، وبئس الشيء البخل .
وأمّا « النعت والصفة » فإنّ الصفة أعمّ والنعت أخصّ ، وذلك أنّك تقول : زيد عاقل وحليم ، وعمرو جاهل وسفيه ، وكذلك تقول : زيد أسود ودميم ، وعمرو أبيض وجميل ، فيكون ذلك صفةً ونعتا لهما ، وأمّا النعت فلا يكاد يطلق إلّا فيما لا يزول ولا يتبدّل ، كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوهما من الأمور اللازمة .
وأمّا قول القائل لصاحبه : اقعد واجلس ، فقد حكي لنا عن النضر بنشميّل أنّه دخل على المأمون عند مقدمه مرو ، فمثّل بين يديه وسلّم ، فقال له المأمون : اجلس ، فقال : يا أمير المؤمنين ما أنا بمضطجع فأجلس ، قال : فكيف تقول ؟ قال : قل : اقعد ، فأمر له بجائزة .
قلت : وبيان ما قاله النضر بنشميّل إنّما يصحّ إذا اعتبرت إحدى الصفتين بالأخرى عند المقابلة ، فتقول : القيام والقعود ، كما تقول : الحركة والسكون ، ولانسمعهم يقولون :
القيام والجلوس ، وإنّما يقال : قعد الرجل عن قيام ، وجلس عن ضجعة واستلقاء ونحو ذلك .
وأمّا قولك : « بلى ونعم » فإنّ بلى جواب عن الاستفهام بحرف النفي كقول القائل : ألم تفعل كذا ؟ فيقول صاحبه : بلى ، كقوله عزّوجلّ :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »
« 2 » وأمّا نعم فهو جواب عن الاستفهام نحو هل ، كقوله سبحانه : « هل
وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ » .
« 3 »
وقال الفرّاء : « بلى » لا يكون إلّا جوابا عن مسألة يدخلها طرف من الجحد . وحكي عنه أنّه قال : لو قالت الذرّية - عندما قيل لهم : ألست بربّكم - : نعم ، بدل قولهم : بلى ، لكفروا كلّهم .
وأمّا قولك : « ذاك وذلك » فإنّ الإشارة بذلك إنّما تقع إلى الشيء القريب منك ، وذاك
هامش
( 1 ) - الحشر 9 : 59 .
( 2 ) - الأعراف 172 : 7 .
( 3 ) - الأعراف 44 : 7 .