بينهما من فرق ؟
قال : ونظير هذا التنزيل قوله عزّوجلّ :
« وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً » .
« 1 » التفجير للعيون في المعنى ، وأوقع على الأَرض في اللفظ ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس ، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل ما هناك . وذلك أنّه أفاد أنّ الأَرض قد صارت كلّها عيونا ، وأنّ الماء يفور من كلّ جوانبها ، أمّا لو قلنا : « فجّرنا عيون الأَرض » أو « العيون في الأَرض » لزال هذا المعنى وزالت هذه الروعة في المبالغة القريبة . « 2 »
ونظيره في الروعة قوله تعالى - يصف العلاقة الجنسية بأرفع أسلوب وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلًا ولابديلًا - :
« فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ » .
« 3 »
إنّها استعارة من أبدع الاستعارات وأرفعها تعبيرا عن أمر يقبح التصريح به ، كلمة رقيقة مهذّبة ، لم تعرفها العرب من ذي قبل ، فجاءت طريفة في نوعها وظريفة في أسلوبها . « 4 »
فقد استعير التغشّي كناية عن عمل جنسي ، يشبع غريزة فطرية ، ويحول دون الهلع إلى الفحشاء ، فيوجب عفافا وسترا كريما يغطّي مطاليب الجسد في جوّ نزيه طاهر . وهذا هو الإحصان واللباس الساتر دون كشف العورات .
« هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ » .
« 5 » فالرجل عندما يقوم بعملية جنسية فإنّه يغشي زوجه بثوب فضفاض من العفاف الشامل ، ويغطّيها بلباس التقوى حافظا لها وساترا عليها ، برفقٍ ولطفٍ كريم . فما أرقّه من تعبير وأروعه من أسلوب !
3 - أصلية وتبعية
إذا كانت الاستعارة في أسماء الأجناس - سواء في الذوات كالأسد للشجاع والحمار للبليد ، أم في المعاني كالقتل للضرب المرهق والسحق لإبطال أمر أو إنكاره -
هامش
( 1 ) - القمر 12 : 54 .
( 2 ) - دلائل الإعجاز ، ص 69 - 70 .
( 3 ) - الأعراف 189 : 7 .
( 4 ) - راجع : محاولة لفهم عصري للقرآن ، ص 17 .
( 5 ) - البقرة 187 : 2 .