المشبّه مطويّ الذكر .
* * * وأمّا ابن رشيق فيرى كثرة الاستعارة في القرآن بأنواعها ، ممّا يزيده رونقا وجمالًا ، لا يوجد في غيره . منها قوله تعالى :
« إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ »
« 1 » فإنّها إمّا استعارة تبعية في قوله « طغى » ، استعير الطغيان ، وهو الخروج عن حدّ الاعتدال ، لفورة الماء وثورته . أو ترشيح ، باعتبار تشبيه الماء الفائر الذي يسطو على كلّ شيء ، بعاصٍ متمرّدٍ عاتٍ لايلوي على شيء ، وقد أضمر هذا التشبيه ، وطوى ذكر المشبّه به ، فكان ذكر الطغيان ترشيحا ، لأنّه من خواصّ المشبّه به .
وكذا قوله تعالى :
« وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ »
« 2 » شبّهت ثورة غضب موسى عليه السلام بغوغاء إنسان وضوضائه . فكان هدوؤه سكوتا . أي فلمّا هدأت ثورة غضبه عليه السلام وهذا من الاستعارة المكنّى عنها مع الترشيح .
وقوله تعالى :
« سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ . تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ »
« 3 » فقد شبّه لهيب جهنّم بثورة إنسان غائظ . قال الزمخشري : تشبيها لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق . وهي تفور ، تغلي بهم غليان المرجل بماحواه . وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدّة غليانها . يقال : فلان يتميّز غيظا ويتقصّف غضبا « 4 » أي يتقطّع فتطير منه شقّة إلى الأَرض وشقّة إلى السماء . وهذا غاية في وصف الغضب بالإفراط . « 5 »
وقوله تعالى :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » .
« 6 »
شبّهت الأَرض والسماء بأهل التميّز والعقل ، بالإقبال عليهما بالخطاب ، والتوجيه إليهما بالأمر والتكليف . واستعير غور الماء بالابتلاع ، كأنّ الأَرض تبتلع ماءها ، والسماء تقتلع إدرارها . والبلع عبارة عن النشف ، والإقلاع : الإمساك .
هامش
( 1 ) - الحاقة 11 : 69 .
( 2 ) - الأعراف 154 : 7 .
( 3 ) - الملك 7 : 67 - 8 .
( 4 ) - التقصّف : صوت الرعد .
( 5 ) - العمدة ، ج 1 ، ص 275 ، باب 37 .
( 6 ) - هود 44 : 11 .