وقال الزمخشري : أي وجعلوا الإيمان مستقرّا ومتوطّنا لتمكّنهم منه واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك . « 1 »
وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ، وقد طوى ذكر المشبّه به ، فكانت استعارة بالكناية ، وكان ذكر التبوّء ترشيحا . وفضل « التبوّء » على « الاستقرار » هي إفادة كمال السعي في طلب البيئة ، فضلًا عن رنّة جرسه في هذا الموضع بالذات .
واحتمل ابن أبيالإصبع كون الآية من الاختصار في الإيجاز ، ليكون التقدير : « تبوّأوا الدار وأخلصوا الإيمان » كما قال الشاعر : علفتها تبنا وماءً باردا . أي : وسقيتها ماءً . « 2 »
قال ابنالأثير : والخامس : يرد على وجه المَثل المضروب ، كقول الفرزدق يهجو جريرا :
ماضرّ تغلب وائل أهجوتها * أم بلت حيث تناطح البحران
فإنّه شبّه هجاء جرير لبني تغلب ببوله في مجمع البحرين ، فكما أنّ البول في مجمع البحرين لايؤثّر شيئا ، فكذلك هجاؤه لهؤلاء القوم . وهذا البيت من الأبيات التي أقرّ لها الناس بالحسن .
قال : وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان ، ويخلطونه بالاستعارة . على ما جاء في قول البحتري في التعزية بولد :
تعزّ فإنّ السيف يمضي وإن وهت * حمائله عنه وخلاه قائمه
زعم أنّ هذا ليس من التشبيه ، وأنّما هو استعارة ، لأنّ المستعار له مطويّ الذكر ، وهو المعزّى ، لأنّه قال : تعزّ فإنّك كالسيف الذي يمضي وإن وهت حمائله وخلاه قائمه . « 3 »
وقد تقدّم أنّ التمثيل ضربٌ من الاستعارة ، وهو من تشبيه مركّب بمركّب مطويّ ذكر المشبّه . نظير قولهم : « أراك تقدّم رجلًا وتؤخّر أخرى » يضرب مثلًا لمن يتردّد في أمر يقدّم فيه أو يمسك ، فقد شبّهت حالة ترديده بمن قدّم رجلًا وأخّر أخرى ، فهي استعارة ، لأنّ
هامش
( 1 ) - الكشاف ، ج 4 ، ص 504 .
( 2 ) - بديع القرآن ، ص 182 .
( 3 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 116 - 121 .