تنفق ابتغاء مرضاة اللّه هي في هذه المرّة كالجنّة ، لاكحفنة من تراب ، وإذا كانت حفنة التراب هناك على وجه صفوان فالجنّة هنا فوق ربوة ، وهكذا هو الوابل مشتركا بين الحالتين ، ولكنّه في الحالة الأولى يمحو ويمحق ، وفي الحالة الثانية يُربي ويخصب . ولو أنّ هذا الوابل لم يصبها فإنّ فيها من الخصب والاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزّها ويحييها :
« فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » .
* ثمّ يعود إلى ذلك المعنى مرّة أخرى فيقول :
« مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ » .
« 1 »
فيرسم صورة الحرث تأخذه الريح فيها برد يضرب الزرع والثمار فيهلكها ، فلا ينال صاحب الحرث منه ما كان يرجو بعد الجهد فيه ، كالذي ينفق ماله وهو كافر ، ويرجو الخير فيما أنفق ، فيذهب الكفر بما كان يرجوه .
ولا يفوتنا ما في جرس كلمة
« صِرٌّ »
من تصوير لمدلولها ، وكأنّما هو قذائف صغيرة تنطلق على الحرث فتهلكه .
* ويريد أن يبرز معنى : أنّ اللّه وحده يستجيب لمن يدعوه ، وينيله مايرجوه ، وأنّ الآلهة التي يدعونها مع اللّه لاتملك لهم شيئا ، ولاتنيلهم خيرا ولو كان الخير قريبا ، فيرسم لهذا المعنى هذه الصورة العجيبة :
« لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ » .
« 2 »
وهي صورة تلحّ على الحسّ والوجدان ، وتجتذب إليها الالتفات ، فلا يستطيع أن يتحوّل إلّا بجهد ومشقّة ، وهي من أعجب الصور التي تستطيع أن ترسمها الألفاظ : شخص حيّ شاخص ، باسط كفّيه إلى الماء ، والماء منه قريب ، يريد أن يبلغه فاه ، ولكنّه لا يستطيع .
هكذا تخيب آمال الذين كفروا ، وتضيع أعمالهم ، لتبقى عليهم حسرات .
هامش
( 1 ) - آل عمران 117 : 3 .
( 2 ) - الرعد 14 : 13 .