وقال الشيخ محمد عبده : إنّ القرآن كثيرا مّا يصوّر المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب ، أو بأسلوب الحكاية ، لما في ذلك من البيان والتأثير . فهو يدعو بها الأذهان إلى ما ورائها من المعاني ، كقوله تعالى :
« يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ »
« 1 » . فليس المراد أنّ اللّه تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه ، وإنّما هو تمثيل لسعتها وكونها لاتضيق بالمجرمين مهما كثروا . ونحوه قوله تعالى - بعد ذكر الاستواء إلى خلق السّماء - :
« فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »
« 2 » . والمعنى في التمثيل ظاهر .
وقال - بشأن قصّة آدم وتعليمه الأسماء وسجود الملائكة - : وتقرير التمثيل في القصّة - على مذهب الخلف - : أنّ إخبار اللّه الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض ، هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات ، يتصرّف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض . وسؤال الملائكة عن جعل خليفةٍ يُفسد في الأرض ، لأنّه يعمل باختياره ويُعْطى استعدادا في العلم والعمل لا حدّ لهما ، هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنّه لا ينافي خلافته في الأرض . وتعليم آدم الأسماء كلّها ، بيان لاستعداد الإنسان لعلم كلّ شيء في الأرض وانتفاعه به في استعمارها . وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصّلهم في الجواب ، تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كلّ روح من الأرواح المدبّرة للعوالم محدودة لا يتعدّى وظيفته . وسجود الملائكة لآدم ، عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ، ينتفع في ترقية الكون بمعرفة سُنَن اللّه تعالى في ذلك . وإباء إبليس واستكباره عن السجود ، تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشرّ وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم والتعدّي والإفساد في الأرض . ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمنٌ يكون فيه أفرادُه كالملائكة بل أعظم ، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري . « 3 »
هامش
( 1 ) - ق 30 : 50 .
( 2 ) - فصّلت 11 : 41 .
( 3 ) - تفسير المنار ، ج 1 ، ص 280 - 282 .