إلى غير عودة فلا يملكون لها ردّا ، فيقدّم هذا المعنى مصوّرا في قوله :
« وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً » .
« 1 »
ويدعك تتخيّل صورة الهباء المنثور ، فتعطيك معنى أوضح وآكد للضياع الحاسم المؤكّد .
* أو يرسم هذه الصورة المطوّلة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه :
« مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ » .
« 2 »
فتزيد الصورة حركةً وحياةً بحركة الريح في يوم عاصف ، تذرو الرماد وتذهب به بددا إلى حيث لا يجتمع أبدا .
* ويريد أن يبيّن للناس أنّ الصدقة التي تُبذَل رياءً والتي يتبعها المنّ والأذى لا تثمر شيئا ولا تبقى ، فينقل إليهم هذا المعنى المجرّد في صورة حسّية متخيّلة على النحو التالي :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً » .
« 3 »
ويدعهم يتملّون « 4 » هيئة الحجر الصلب المستوي ، غطّته طبقة خفيفة من التراب فظنّت فيه الخصوبة ، فإذا وابل من المطر يصيبه ، وبدلًا من أن يُهيّئه للخصب والنماء - كما هي شيمة الأَرض تجودها السماء - أذابه - كما هو المنظور - يتركه صلدا ، وتذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره ، وتُخيِّل فيه الخير والخصوبة .
ثمّ يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء :
« وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » .
« 5 »
فهنا الوجه الثاني للصورة ، والصفحة المقابلة للصفحة الأولى . فهذه الصدقات التي
هامش
( 1 ) - الفرقان 23 : 25 .
( 2 ) - إبراهيم 18 : 14 .
( 3 ) - البقرة 264 : 2 ، والصلد : النقي .
( 4 ) - تملّ الشيء : تأمّله وقلّبه لينظر فيه .
( 5 ) - البقرة 265 : 2 .