إلّا عرضا فهو عيب ولُكنة ، لأنّه تكلّف من غير الوجه الذي توجبه الحكمة . ومَثَله مَثَل من رصّع تاجا ثمّ ألبسه إنسانا دميما « 1 » أو نظّم قلادة درٍّ ويواقيت ثمّ ألبسها كلبا عقورا . وقبح ذلك وعيبه بيّن لمن له أدنى فهم .
فمن ذلك مايحكى عن بعض الكهّان : والأرض والسماء ، والغراب الواقعة بنقعاء ، لقد نفر المجد إلى العشراء .
ومنه مايحكى عن مسيلمة الكذاب : يا ضفدع نقّي كم تنقّين ، لا الماء تكدرين ، ولا النهر تفارقين .
فهذا أغثّ كلام يكون وأسخفه ، وقد بيّنا علّته ، وهو تكلّف المعاني من أجله ، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلّم بها ما كانت !
وفواصل القرآن كلّها بلاغة وحكمة - على ما سبق بيانه - لأنّها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدلّ بها عليها .
وإنّما اخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة ، وذلك أنّه ليس فيه إلّا الأصوات المتشاكلة مع إغفاء المعاني ، كما ليس في سجع الحمامة إلّا الأصوات المتشاكلة ( الهدير ) « 2 » وهكذا المعنى في السجع ، إذا تُكلّف له من غير وجه الحاجة إليه ذاتا ، أو ملاحظة الفائدة فيه ، لم يعتدّ به ، ولم تخرج الكلمات بذلك عن كونها غير ذوات مفهوم ، فصارت بمنزلة هدير الحمام ، ليس فيه سوى ترجيع أصوات متشاكلة . « 3 »
* * * ووافقه القاضي أبو بكر محمَّدبن الطيّب الباقلّاني ( ت 403 ) تأييدا لمذهب أبي الحسن الأشعري ( ت 334 ) في نفي السجع من القرآن . « 4 » قال : ذهب أصحابنا ( الأشاعرة ) كلّهم إلى نفي السجع من القرآن ، وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه .
ولكن ذهب كثير من أصحاب الرأي والنظر إلى إثبات السجع في القرآن ، قالوا : إنّ
هامش
( 1 ) - قبيح السيرة والصورة .
( 2 ) - يقال : هدر الحمام إذا قرقر وكرّر صوته في حنجرته .
( 3 ) - النكت في إعجاز القرآن ، ص 97 - 98 .
( 4 ) - هو عنوان الباب الذي عقده الباقلّاني في كتابه إعجاز القرآن ، ج 1 ، ص 85 .