للانحراف وموجب للانصراف عن الجِدّ في الحياة ، وكان ذريعة لإشاعة الفحشاء في الذين آمنوا ، سواء أكان بسبب محتواه المُغري أو ملابساته المُغرية ، فإنّه حينذاك يدخل تحت عنوان « لهو الحديث » و « اللغو » و « الباطل » وأخيرا « قول الزور » ، ويصبح مصداقا له بلا ريب .
أمّا إرادة كونه متّحدا معه مفهوما - لغة أو تعبّدا - فهذا شيء غريب عن ظاهر التعبير ، ومخالف للواقع قطعا ، إذ لااصطلاح للشرع بذلك ولا هو موافق للوضع .
يُنبؤك بذلك تفسيرُ
« الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ »
الوارد في الآية أيضا بالشطرنج .
ففي حديث عبد الأعلى ، قال : سألت جعفر بنمحمَّد عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ :
« فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ »
؟ قال :
« الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ »
الشطرنج ، و
« قَوْلَ الزُّورِ »
الغِناء . . . قال : قلت : قول اللّه عزّوجلّ :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ » ؟
« 1 » قال : منه الغِناء . « 2 »
وهذا أوضح شاهد على إرادة المصداق دون الاتّحاد في المفهوم .
ونظيره أيضا ما في حديث حمّاد قال : سألت الصادق عليه السلام عن
« قَوْلَ الزُّورِ »
؟ قال : منه قول الرجل للذي يُغنّي : أحسنت . « 3 »
لا شكّ أنّ الذي يُغنّي بغناء فاسد ، إذا قلت له : أحسنت ، فقد أغريته وأوجبت إصراره على ارتكاب الفحشاء وبثّ الفساد في الأَرض .
كلّ ذلك دليل على أنّ الغِناء إنّما يحرَّم إذا صدقت عليه العناوينُ الباطلة من اللهو المُغري واللغو المُفسد وقول الزور . أمّا إذا لم يكن من ذلك - كما إذا كان وسيلة للتأثير بالمواعظ الحسنة وزرع الفضيلة والمكرمات في النفوس المستعدّة - فهذا إلى الحقّ أقرب منه إلى الباطل . وكونه داعية إلى الصلاح والرشاد أولى من كونه سبيلًا إلى الفساد .
وفي الأحاديث الصحيحة مايدلّ على هذا التنويع في الغناء ، إلى حرام وحلال ، فساد
هامش
( 1 ) - لقمان 6 : 31 .
( 2 ) - الوسائل ، ج 12 ، ص 229 ، رقم 20 .
( 3 ) - المصدر : رقم 21 .