« فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً » .
« 1 »
هذه الكلمة « تغشّاها » تغشّاها رجلها .
أن يمتزج الذكر والأنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل النهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض ، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروة في التعبير .
وألفاظ أخرى تقرأُها في القرآن فتترك في السمع رنينا وأصداءً وصورا حينما يقسم اللّه بالليل والنهار فيقول :
« وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ » .
« 2 »
« عسعس » هذه الحروف الأربعة هي الليل مصوّرا بكلّ ما فيه .
« وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
إنّ ضوء الفجر هنا مرئيّ ومسموع . إنّك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك .
فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنّك تسمع الألفاظ تتفجّر ، وترى المعمار القرآني كلّه له جلجلة .
اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد :
« وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ » .
« 3 »
إنّ الآيات كلّها تصرّ فيها الرياح وتسمع فيها اصطفاق الخيام وأعجاز النخل الخاوي وصورة الأَرض الخراب .
والصور القرآنية كلّها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة والظلال المحكمة والألفاظ التي لها جرس وصوت وصورة ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لايترجم .
إنّه قرآن في لغته . أمّا في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن :
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا »
« 4 » وفي هذا تحديد فاصل .
هامش
( 1 ) - الأعراف 189 : 7 .
( 2 ) - التكوير 17 : 81 و 18 .
( 3 ) - الحاقة 6 : 69 - 7 .
( 4 ) - يوسف 2 : 12 .