وكيف يمكن أن تترجم آية مثل :
« الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » .
« 1 »
إنّنا لسنا أمام معنى فقط ، وإنّما نحن بالدرجة الأولى أمام معمار ، أمام تكوين وبناء تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ، من قلبها لامن حواشيها ، من خصائص اللغة العربية وأسرارها وظلالها وخوافيها . ولهذا انفردت الآية القرآنية بخاصيّة عجيبة .
إنّها تحدث الخشوع في النفس بمجرّد أن تلامس الاذن وقبل أن يتأمّل العقل معانيها ، لأنّها تركيب موسيقيّ يؤثّر في الوجدان والقلب لتوّه ومن قبل أن يبدأ العقل في العمل .
فإذا بدأ العقل يحلّل ويتأمّل فإنّه سوف يكتشف أشياء جديدة ، وسوف يزداد خشوعا . ولكنّها مرحلة ثانية ، قد تحدث وقد لاتحدث ، وقد تكشف لك الآية عن سرّها وقد لاتكشفه ، وقد تُؤتى البصيرة التي تفسّر بها معاني القرآن وقد لاتُؤتى هذه البصيرة .
ولكنّك دائما خاشع لأنّ القرآن يخاطبك أوّلًا كمعمار فريد من الكلام ، بنيان ، فورم . طراز من الرصف يبهر القلب ، ألقاه عليك الذي خلق اللغة ويعرف سرّها ، وليس أبدا محمَّد النبيّ الامّي ، الذي كان يرتجف - كما ترتجف أنت - والوحي يلقى عليه بالآية :
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ »
« 2 » فيرتجف ويتصبّب عرقا ولا يعرف من أيّ سماوات يلمّ به هذا الصوت الآمر ، وهو يلوذ بزوجته خديجة وهو ما يزال يرتجف فرقا لما سمع .
وينقطع عنه الوحي سنتين بعد هذه الكلمات القليلة الأولى ، ويتركه في حيرة . يذرع دروب الصحراء الملتهبة يكاد يجنّ من أمر هذا الصوت الذي نزل عليه ثمّ انقطع عنه .
ولو كان محمَّد مؤلّفا لألّف في هاتين السنتين كتابا كاملًا .
ولكنّه لم يكن أكثر من مستمع أمين ، سمع - كما تسمع أنت - تلك الكلمات ذات الموسيقى العلوية في لحظة صفاء وجلاء ، فذهل - كما تذهل - وصعقت حواسّه أمام هذا التركيب الفريد المضيء .
هامش
( 1 ) - طه 5 : 20 .
( 2 ) - العلق 1 : 96 .