وقد قيل : إنّ ضمربن ضمرة والأقرع بن حابس وغيرهما درجوا على أن يُصدروا أحكامهم في عبارات وجمل مسجّعة عندما كانوا يجلسون مجلس القضاء . « 1 »
وقد شاع السجع بين الكُتّاب والخطباء الإسلاميين شيوعا بالغا ، بحيث لا تجد خطيبا ولا كاتبا إسلاميا حاد عن طريقة السجع في الكلام .
وهذه خُطب ورسائل وكلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مزدانة بالسجع الرصين ، خالٍ عن التكلّف البادي على أسجاع العرب التي كانت تنبو عنها الأسماع .
وأحسن السجع ما درج عليه القرآن الكريم ، ولاسيّما في سوَره القصار المكّية ، ذوات السجعات الرنّانة الأخّاذة بمجامع القلوب ، وسنذكر : أنّ السجع زينة للكلام إذا كان على رسله ولم يتكلّف فيه ، وفي القرآن منه الشيء الكثير ، وهو أمر لايُنكر ، لكنّه ليس من النوع المتكلّف فيه ، وإنّما هو من المذلّل السهل ، التابع للمعاني . والسجع إذا كان على هذا الوصف كان جميلًا ، والقرآن كلّه جميل ، ويناسبه كلّ وسائل الجمال . « 2 »
* * * وإليك من أسجاع العرب مايمجّه السمع ، وقارن بينها وبين سجع القرآن البديع :
1 - إنّ امرأة من بني سهم يقال لها « الغيطلة » « 3 » كانت كاهنة في الجاهلية ، جاءها صاحبها « 4 » ليلة من الليالي فانقضّ من تحتها ، « 5 » ثمّ قال : ادْرِ ماادْرِ ، « 6 » يَوْمَ عَقْر وَنَحْر . فقالت قريش - حين بلغها ذلك - : ما يريد ؟ ثمّ جاءها ليلة أخرى فانقضّ من تحتها ، ثمّ قال :
شُعُوب ، ماشُعُوب ؟ تُصْرَع فيه كَعبٌ لِجُنُوب . فلمّا بلغ ذلك قريشا قالوا : ماذا يريد ؟ إن هذا لأمرٌ هو كائن ! فانظروا ما هو ؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر واحد بالشعب ، فعرفوا أنّه الذي كان جاء به إلى صاحبته . « 7 »
هامش
( 1 ) - راجع : البيان والتبيين للجاحظ ، ج 1 ، ص 113 ، س 9 ؛ ودائرة المعارف الإسلامية ، ج 11 ، ص 296 .
( 2 ) - سنذكر ذلك عند الكلام عن فواصل الآي .
( 3 ) - وفي نسخة ابن إسحاق « العيطالجة » . سيرة ابن إسحاق ، ج 1 ، ص 112 .
( 4 ) - أي رابطها من الجنّ ، حسبما كانوا يزعمون .
( 5 ) - انقضّ الطائر إذا سقط على الشيء يريده .
( 6 ) - قال السهيلي ( الروض الأنف ، ج 1 ، ص 239 ) : فيه رواية أخرى : « . . ومابَدْر ؟ . . . » وهي أبين من هذه .
( 7 ) - سيرة ابنهشام ، ج 1 ، ص 221 - 222 ؛ وراجع : سيرة ابنإسحاق ، ج 1 ، ص 112 ؛ والروض الانف ، ج 1 ، ص 238 - 239 .