فإن تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم * فإنّ المسكَ بعضُ دم الغزال
« وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » .
« 1 »
« قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ »
. « 2 »
إذا لم يكن القرآن قد ابتعد عن أساليب الكلام المعروفة ، ولم تكن البراعة في الجمع بين مزايا الكلام ممّا يوجب خروجه عن المألوف المعهود . الأمر الذي ليس بعزيز في تمايز كلام عن كلام وتفاوت درجات البيان في الإجادة والإيفاء .
وعليه فلا موضع لقول بعضهم : لو صحّ أنّ نقض العادة بضروب جديدة من قوالب الكلام ، يمكن أن يكون واحدا من أسس إعجاز القرآن ، لصحّ لكُتّاب المسرحيّات أن يزعموا لأنفسهم شيئا من الإعجاز . لأنّها صورة من صور الأداء الفنّي لم تكن معروفة أو مألوفة من قبلُ .
قال : الرأي عندي أنّ المخالفة في الشكل لا تقتضي لذاتها تفاضلًا . . . ولا يستسيغ الذوق الفنّي أن تفضّل قطعة أدبية على قطعة أخرى ، لأنّ هذه تعادلت فيه الفقر وتلك تخلّصت من قيود الصنعة ، أو أنّه شعر والآخر نثر ، أو أنّه مسجوع أو متعادل وغيره طليق مرسل . « 3 »
نعم لا موضع لهذا الإيراد ، بعد أن كان التفاضل في أسلوب البيان نوعا من البراعة قد تبلغ مبلغ الإعجاز ، كما في القرآن .
يقول الدكتور طه حسين : ولست أفهم كيف يمكن أن يتسرّب الشكّ إلى عالم جادٍّ ، في عربية القرآن ، واستقامة ألفاظه وأساليبه ونظمه ، على ما عرف العربُ أيّام النبيّ صلى الله عليه وآله من لفظ ونظم وأسلوب . « 4 »
تلك شهادة ضافية من أكبر رجالات الأدب الحاضر ، تتسلّم براعة القرآن في إعجازه ، وإن كان لم يخرج عن المألوف عند العرب من أساليب كلامهم المعهودة .
وسؤال آخر : إذا كان القرآن لم يجر في أسلوبه على مجاري الشعر ، وكانت العرب
هامش
( 1 ) - النحل 103 : 16 .
( 2 ) - الزمر 28 : 39 .
( 3 ) - كلام قاله الدكتور عبد الرؤوف مخلوف ، ردّا على مقال الباقلّاني الآنف . الباقلّاني وكتابه ، ص 194 - 199 .
( 4 ) - في الأدب الجاهلي ، ص 147 .