في الأقلّ من الآيات لأقلّ الناس ، وهي الآيات الّتي تضمّنت الإعلام عن الأشياء المتغيّبة عن الحسّ ، ليس لها مثال في المحسوس ، فجاء التعبير عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إلى تلك الغائبات ، وأكثرها شبها بها . فربّما عرض لبعض الناس أن يأخذ بالمثال ذاته لتلزمه الحيرة والشكّ .
وهذا هو الذي سمّي في الشرع متشابها . الأمر الذي لا يعرض للعلماء ولا للجمهور ، لأنّ هؤلاء هم الأصحّاء الذين يلائمهم الغذاء النافع الذي يوافق أبدان الأصحّاء . أمّا غير هذين الصنفين فمرضى ، والمرضى هم الأقلّ في الناس ، ولذلك قال تعالى :
« فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » .
« 1 » وهؤلاء هم أهل الجدل والمذاهب الكلاميّة .
قال : وقد سلك الشرع في تعاليمه وبرامجه الناجحة مسلكا ينتفع به الجمهور ويخضع له العلماء ، ومن ثمّ جاء بتعابير يفهمها كلّ من الصنفين : الجمهور يأخذون بظاهر المثال ، فيتصوّرون عن الممثّل له ما يشاكل الممثّل به ، ويقتنعون بذلك . والعلماء يعرفون الحقيقة التي جاءت في طيّ المثال .
مثلًا : لمّا كان أرفع الموجودات في الحس هو النور ضرب به المثال ، وبهذا النحو من التصوّر أمكن للجمهور أن يفهموا من الموجودات فيما وراء الحس ، ممّا مثّل لهم بأُمور متخيّلة محسوسة . فمتى أخذ الشرع في أوصاف اللّه تعالى على ظاهرها ، لم تعرض للجمهور شك في ذلك . فإذا قيل : اللّه نور ، وأنّ له حجابا من نور ، وأنّ المؤمنين يرونه في الآخرة كالشمس في رائعة النهار ، لم تعرض للجمهور شبهة في حقيقة هذه التعابير .
وكذلك العلماء لا تعرض لهم شبهة في ذلك ، حيث قد تبرهن عندهم أنّ تلك الحالة هي مزيد علم ويقين . لكن إذا ما صرّح بذلك للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلّها وربّما كفروا
هامش
( 1 ) - آلعمران 7 : 3 .