أمّا الإحكام في سورة هود ، فيعني الإتقان والسَّداد ، حيث القرآن ذو أساس مكين لا يتضعضع ، وذو مشعل وضّاء لا ينطفيء مع الأبديّة ، قال تعالى :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » .
« 1 »
وسنعرض فيما يأتي أنّ من الآي المتشابهة ما هي متشابهة بالذات ، وإنّما يعرف الرّاسخون في العلم تأويلها الصحيح ، بفضل جهودهم وتعمّقهم في أغوار هذا الدين ، ليستنبطوا من كنوزه المستورة لئالي وهّاجة تبهر العقول .
وحاول بعضهم في اتّجاه معاكس ، زاعما أنّ جميع آي القرآن متشابهة ، ومن ثمّ لا يجوز مسّها إلّا بدلالة نصّ معصوم . وبذلك أسقط ظواهر الكتاب عن صلاحية الاستدلال بها أو الاستنباط منها لحكم شرعي ، نظرا لقوله تعالى :
« اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً »
« 2 » وبما ورد : « إنّما يعرف القرآن من خوطب به » . « 3 »
وهذا قصور وجفاء ، حيث يقول تعالى :
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » .
« 4 » وقال رسولاللّه صلى الله عليه وآله : « فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن » « 5 » كيف الرجوع إلى القرآن لوضح الملتبسات إذا كان هو ملتبسا ؟ وقد قال الإمام الصادق عليه السلام : « إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى ، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره ، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور » . وقد ورد - أيضا - « إنّ القرآن فيه تفصيل وبيان وتحصيل » و « هو الفصل ليس بالهزل » ، « ظاهره أنيق وباطنه عميق » ، « ظاهره حكم وباطنه علم » على ما تقدّم بيانه . « 6 »
أمّا آية الزمر فتعني تناسق آي القرآن في الإجادة والإيفاء وقوّة التعبير ،
« وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » .
« 7 »
هامش
( 1 ) - الحجر 9 : 15 .
( 2 ) - الزمر 23 : 39 .
( 3 ) - تفسير البرهان للمحدّث البحراني ، ج 1 ، ص 18 .
( 4 ) - محمّد 24 : 47 .
( 5 ) - أصول الكافي ، ج 2 ، كتاب فضل القرآن ، ص 598 ، ح 2 .
( 6 ) - الأحاديث مستخرجة من الكافي الشريف ، ج 2 ، ص 599 - 600 .
( 7 ) - النساء 82 : 4 .