التشريف والاعتبار ، لا لأنّه مكانه الخاصّ أو أنّه تعالى حالّ فيه جلّ شأنه . فهكذا اقتضت المصلحة تحويل هذا الاتّجاه العبادي إلى الكعبة وهو بيت اللّه العتيق ، له نسبة تشريفية قديمة إليه تعالى ، لا لشيء آخر سواه .
« وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ » .
« 1 »
فقوله :
« فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
يعني : أينما اتّجهتم في عباداتكم فثمّ اتّجاه إلى اللّه تعالى ، لأنّه هو المقصود بالعبادة الخالصة لوجهه الكريم . وإنّما جاء الأمر باتّجاه خاصّ ، لمصلحة في ذلك ، ربّما كانت وحدة الاتّجاه العبادي لجميع المسلمين في عامّة عباداتهم ، الأمر الذي كان يشدّ من وحدتهم في سائر الأُمور .
وقال تعالى :
« إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً » ،
« 2 » أي لقصده ، وأن ليس المقصود من هذا الإحسان سوى التقرّب والزلفى لديه تعالى ، فهو المقصود بالذات لا المكافئة ولا الثناء . وهكذا قوله :
« وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ »
« 3 » أي كانت خالصة للّه . إلى غيرها من آيات نظائر . والوجه بمعنى القصد كثير في القرآن وفي الشعر . قال تعالى :
« وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ »
« 4 » أي أخلص قصده إلى اللّه . وأنشد الفرّاء :
أستغفر اللّه ذنبا لستُ مُحصِيَه * ربَّ العباد إليه الوجهُ والعمل
أي إليه القصد والعمل . وغيره من أشعار استشهد بها الشريف المرتضى لبيان أوجه المعاني المقصودة من « الوجه » في الاستعمال ، وقد استوفى البحث حقّه ، فراجع . « 5 »
العين
ذكر العين - مضافة إليه تعالى - في القرآن في خمسة مواضع ، أحدها مفردة في سورة طه :
« وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » .
« 6 » خطابا مع موسى عليه السلام . والباقي جمعا :
هامش
( 1 ) - البقرة 143 : 2 .
( 2 ) - الإنسان 9 : 76 .
( 3 ) - الروم 39 : 30 .
( 4 ) - النساء 125 : 4 .
( 5 ) - الأمالي ، ج 1 ، ص 590 - 593 ، المجلس 45 .
( 6 ) - طه 39 : 20 .