تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ »
« 1 » يعني : أنّ تدبيره تعالى قبل خلق السماوات والأرض لم يكن قد تعلّق بشيء سوى الماء . إذ لم يكن في عالم الطبيعة يومذاك موجود ولا معلوم سوى الماء ، لأنّ أوّل شيء خلقه اللّه من الماديات هو الماء كما في الأثر . « 2 » قال أبو جعفر الطبري : « وأمّا الذي يدلّ على صحّته ، ظاهر القرآن فقول ابن‌عباس الذي رواه جعفر بن أبيالمغيرة ، عن سعيد بن‌جبير عنه أنّه قال : هو علمه وذلك لدلالة قوله تعالى
« وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما »
على أنّ ذلك كذلك ، فأخبر أنّه لا يؤده حفظ ما علم وأحاط به ممّا في السّماوات والأرض . وكما أخبر عن ملائكته أنّهم قالوا في دعائهم :
« رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً »
« 3 » فأخبر أنّ علمه وسع كلّ شيء ، فكذلك قوله :
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » .
« 4 »

الاستواء

والاستواء هو التمكّن والاستيلاء التامّ ، دون الجلوس كما زعمت المجسّمة ، كقول الأخطل يمدح بشرا أخا عبد الملك بن‌مروان حين وُلّي على إمرة العراقين :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق « 5 »
وجاء بمعنى استقامة الأمر أيضا ، كما قال الطرماح بن‌حكيم :
طال على رسم مهدد أبده * وعفا واستوى به بلده « 6 »
وهكذا جاء بمعنى عمد وقصد ، كقوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ » .
« 7 » وكلّما جاء ذكر « الاستواء على العرش » في القرآن ، إنّما يعنى الاستيلاء التامّ بتدبير شؤون العالم ، بعد أن كان « العرش » كناية عن مجموع الخلق ، كما جاء في تعبير الصدوق رحمه الله . « 8 »
هامش
( 1 ) - هود 7 : 11 . ( 2 ) - راجع : بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 102 وج 57 ، ص 308 . ( 3 ) - غافر 7 : 40 . ( 4 ) - جامع البيان ، ج 3 ، ص 8 . ( 5 ) - البداية والنهاية ، ج 9 ، ص 7 . ( 6 ) - جامع البيان ، ج 1 ، ص 150 . ( 7 ) - البقرة 29 : 2 . ( 8 ) - راجع : بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 7 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 108 | الشيخ محمد هادي معرفة