ويعذر القوم حيث حسبوا من أنفسهم تجاه أمر واقع ، ومن ثمّ زعموا من كلّ قراءة أنّهاسنّة متّبعة ، وقد فاتهم أن لا مستند لهذا التعبّد الأعمى . ولاتثبت قرآنيّة القرآن بقراءة رُويت عن فلان أو فلان ، وقد أوضحنا أن لاسند لآحاد القراءات متصلا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله ولامساس لها بمسألة « تواتر القرآن » إطلاقا .
إذن فتحكيم القواعد على القراءات ، ليس تحكيما لها على القرآن ، بل تحكيما للتوصّل إلى واقع القرآن . فكلّ قراءة وافقت الأفصح في اللغة والأفشى في العربيّة ، وتوفّرت فيها سائر الشرائط ، نعتبرها صحيحة ونتسلّمها قرآنا ، بكاشف هذا التوافق .
والقواعد - التي نعتبرها مقاييس لمعرفة القرآن - هي المعترف بها لدى الجميع ، والتي تسالمت عليها علماء اللغة والأدب ، المستقاة من كلام العرب الأصيل ، الأمر الذي يوجد عند نحاة البصرة أكثر وأدقّ ممّا عند الكوفيّين ، ومن ثمّ فإنّ وقفة مثل « الداني » المغربيّ في وجه مثل « سيبويه » غريبة جدا .
ونتساءل القوم : بماذا أنكر الإمام أحمد على حمزة قراءاته ؟ لولا أنّه وجدها خارجة عن أساليب التعبير العربي الأصيل في مدّاته وتوالي سَكَناته وما إلى ذلك !
وهل نتسلّم قراءة من قرأ : « قُل لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَأتكم بِهِ » « 1 » بالهمز ؟
لمجرد أنّها قراءة بعض المتقدّمين « 2 » في حين أنّها تقلب معنى الآية ، لأنّها من « درى » بمعنى علم لامن « درأ » بمعنى دفع .
وقراءته - أيضا - : « وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطون » وهي غلط محض . « 3 »
وقراءة ابن محيصن : « فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ » « 4 » بفتح تاء المضارعة ، ونصب « الأعداء » . وإنّما هو من : أشمت اللّه العدوّ ، ولا يقال : شمت اللّه العدوّ . « 5 »
وقراءة ابن عامر : « كُنْ فَيَكُونَ » بالنصب في البقرة . وفي آلعمران . وفي النحل . وفي
هامش
( 1 ) - يونس 16 : 10 .
( 2 ) - هي قراءة الحسن . راجع : البحرالمحيط ، ج 5 ، ص 133 .
( 3 ) - انظر : تفسير القرطبي ، ج 13 ، ص 142 .
( 4 ) - الأعراف 150 : 7 .
( 5 ) - تأويل مشكل القرآن ، ص 61 . وانظر : البحرالمحيط ، ج 4 ، ص 396 .