ملاك صحّة القراءة
وبعد . . . فإذ قد تبيّن حديث تواتر القرآن ، وثبات نصّه الأصل مدى الأجيال فإنّ ملاك صحّة القراءة هي موافقة ذاك النصّ المحفوظ لدى عامّة المسلمين .
وتتحقّق هذه الموافقة في كلّ قراءة إذا ما توفّرت فيها الشروط التالية :
أوّلًا : موافقتها مع الثبت المعروف بين عامّة المسلمين ، في مادة الكلمة وصورتها وموضوعها من النظم القائم ، حسب تعاهد المسلمين خلفا عن سلف .
ثانيا : موافقتها مع الأفصح في اللغة والأفشى في العربيّة ، ويعرف ذلك بالمقارنة مع القواعد الثابتة يقينا من لغة العرب الفصحى .
ثالثا : أن لا يعارضها دليل قطعيّ ، سواء أكان برهانا عقليّا أم سنّة متواترة أم رواية صحيحة الإسناد مقبولة عند الأئمّة .
فإذا اجتمعت في قراءة هذه الشروط جميعا ، فإنّها هي القراءة المختارة ، الجائزة في الصلاة وغيرها . أمّا الفاقدة لجميعها أو لبعضها فإنّها تصبح شاذّة ولاأقلّ من الشّك في ثبوتها قرآنا ، فلا تجوز قراءتها في صلاة ولا في غيرها بعنوان أنّها قرآن . وتوضيحا لهذه البنود الثلاثة نعرض ما يلي :
أمّا موافقة الثبت المعروف ففي أُمور ثلاثة حسبما أشرنا :
1 - ( في مادّة الكلمة الأصليّة ) ففي مثل قوله تعالى :
« فَتَبَيَّنُوا »
من التبيّن ، أو هي « فَتَثَبَّتُوا » من التثبّت « 1 » أيّهما النّص الأصل ؟
وكذا قوله :
« نُنْشِزُها »
بالزاي أو « ننشرها » بالراء . « 2 »
وقوله :
« إِذْ تَلَقَّوْنَهُ »
بفتح اللام والقاف المشدّدة من التلقّي بمعنى الأخذ . أو « تَلِقُونَه » بكسر اللام وضمّ القاف ، من ولق الكذب . « 3 »
هامش
( 1 ) - الحجرات 6 : 49 . قرأ حمزة والكسائي بالثاء ، وقرأ الباقون بالباء . الكشف ، ج 1 ، ص 394 .
( 2 ) - البقرة 259 : 2 . قرأ الكوفيّون وابن عامر بالزاي ، وقرأ الباقون بالراء . الكشف ، ج 1 ، ص 310 .
( 3 ) - النور 15 : 24 . الثانية قراءة محمد بن السميفع . والأُولى قراءة الباقين . تفسير القرطبي ، ج 12 ، ص 204 .