تلك حالة المصاحف العثمانيّة الأُولى لم يعد لها أثر في الوجود ، أمّا سائر المصاحف فلا تصلح مقياسا لموافقتها أو مخالفتها . لأنّ قيمة تلكم المصاحف الأُولى كانت باعتبار انتمائها إلى الصّحابة الأوّلين ، أمّا غيرها فلم يثبت لها ذلك الاعتبار .
ولعلّك تقول : يحتمل أنّ تلكم المصاحف المتأخّرة كتبت على نفس كتابة المصاحف الأُولى حرفيّا ، قلت : هذا احتمال ، ولا يمكننا أن نعتمد احتمالًا نحتمله مالم نستوثق من تحقّقه واقعا قطعيّا . هذا فضلا عن التّصريح بأنّها كتبت على أُسلوب حديث كان يختلف عن أسلوب المصاحف الأُولى بكثير ، وإلّا لم تعد حاجة إلى جمعها ، فكانت تنقّط وتشكّل فحسب ، أمّا إبعادها عن صفحة الوجود فلا سبب له سوى التغيّر الجذري الحاصل فيما بعد .
نعم ، أصل إملاء الخطّ - في صورته البدائيّة - بقي محفوظا - نسبيّا - لم يمسّوه بيد إصلاح ، حسب ما قدّمنا . « 1 » وسجّل جزئياته أرباب المصاحف كابن الأنباري وابن أبي داوود وغيرهما ، وكانوا هم حلقة الاتصال بيننا وبين المصاحف الأُولى بعض الشيء ، الأمر الّذي لا نستطيع الاستيثاق بكليّته تماما .
وأخيرا فإنّ إضافة قيد « ولو احتمالًا » ذهبت بفائدة هذا الاشتراط حيث أكثر القراءات الشاذة ، بل والمرفوضه بالإجماع أيضا ، يمكن توفيقها مع ظاهر الرسم حيث لانقط ولاتشكيل ولاألفات ولاغير ذلك من علائم فارقة حسبما تقدّم .
مثلًا قراءة ابن مقسم : « خلصوا نُجُبا » بالباء « 2 » يحتملها الخطّ . وكذا قراءة ابن محيصن :
« فلا تَشمت بي الأعداء » بفتح تاء المضارعة . « 3 » وقراءة أبي حنيفة : « إنّما يخشىاللّه - بالرفع - من عباده العلماء - بالنصب - » « 4 » وقراءة الحسن : « لاريباً فيه » بالنصب والتنوين . « 5 » وقراءته :
هامش
( 1 ) - في الجزء الأوّل « مخالفات في رسم الخطّ » .
( 2 ) - إعجاز القران للرافعي ، ص 57 .
( 3 ) - إتحاف فضلاء البشر ، ص 231 ؛ وتأويل مشكل القرآن ، ص 61 .
( 4 ) - تفسير القرطبي ، ج 14 ، ص 344 .
( 5 ) - مختصر في شواذ القرآن ، ص 23 .