وحتى العظام والغضاريف ، في تغيّر وتبدّل دائب - ظاهرة الإحراق والتعويض - وقد قيل :
إنَّ جسم الإنسان يتبدّل كليّا في كلّ سبع سنوات .
وهذا التغيّر المستمرّ في جسم الإنسان يستدعي - طبعا - تبدّلا في صفات وحالات قائمة بهذا الجسم . أمثال الصحة والمرض والسمن والهزال والقوّة والضعف والطفولة والشباب والكهولة والهرم .
لكن الإنسان يملك إلى جانب هذه الصفات والأحوال المتغيّرة ، صفات وغرائز ثابتة لايعرضها أيّ تغيّر أو تبدّل رغم تبدّل الجسم وتغيّره ، وهي صفات الحبّ والبغض والرغبة والرهبة ، وملكات الكرم والبخل ، والشجاعة والجبن ، والسماحة والحسد ، وماشاكلها من صفات ذاتيّة لا ترتبط مع الجسم أيّ ارتباط .
إذن فما هو المحلّ القائم به هذه الصفات الراسخة ؟
لا شئ يصلح محلّا لها سوى النفس « الروح » !
وهنا اعتراض معروف نتعرّض له في الفصل القادم . « 1 »
* الإنسان لا يزال ينمو وتستحكم قواه الجسديّة إلى حدّ معيّن ، ثمّ يقف في مستوىً واحدٍ ، ومن بعده يأخذ في الهبوط والانتكاس تدريجيّا ، فهو إلى العقد الثالث من عمره - تقريبا - آخذ في النموّ الجسدي ، وإلى العقد الخامس هو على مستوىً واحدٍ وبعده يأخذ في ضعف تدريجي . حتى إذا طعن في السن يتسرّع هبوطه ضعفا فوق ضعف .
« اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ » .
« 2 »
هذه طبيعة الإنسان الجسديّة . وأمّا حياته العقليّة فلاتتساوق مع ظاهرة الجسم في سرعة التبدّل والتغيّر ، فهو لا يزال ينمو في قواه العقليّة وتزداد حيويّة ونشاطا عبر العقود الخمسة من عمره ، فبينما الجسم آخذ في الهبوط التدريجي منذ العقد الرابع ، وإذا بالجانب العقلي من الإنسان بعد ، مستمرّ في طريقه إلى الكمال ، الأمر الذي يدلنا على أنّ في وجود
هامش
( 1 ) - في ذيل الدليل الثاني من الأدلّة الحديثة الآتية .
( 2 ) - الروم 54 : 30 .