رأس ، متذرّعين بحجة تباعد ما بين العالمين ، العالم العلوي والعالم السفلي ، ذاك ناصع بيضاء لطيف ، وهذا منكدر ظلماء كثيف ، وإذ لا رابط بين نور وظلمة ، ولاصلة بين لطيف وكثيف ، فلا علقة تربط أحدَ العالمين بالآخر ، لكن إذا ماعرفنا من هذا الإنسان وجودا برزخيا ذا جانبين ، هو من أحدهما جسمانيّ كثيف ، وفيه خصائص المادّة السفلى . ومن جانبه الآخر روحاني لطيف ، وهو ملكوتيّ رفيع ، لم يكن موقع لهذه الشبهة رأسا .
الإنسان وراء شخصيّته هذه الظاهرة ، شخصيّة أُخرى باطنة ، هي التي تؤهّله - أحيانا - للارتباط مع عالم روحاني أعلى ، إذ كان مبدؤه منه وإليه منتهاه :
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
« 1 » هذا هو واقع الإنسان الحقيقي ، ذوالتركيب المزدوج من روح وجسم ، ومن ثمّ فهو برزخ بين عالمي المادّة وما وراء المادّة ، فمن جهة هو مرتبط بالسماء ومن أُخرى مستوثق بالأرض . قال تعالى :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً »
إلى هنا تكتمل خلقة الإنسان الماديّة ، ثمّ يقول :
« ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » .
« 2 » وهذا الخلق الآخر هو وجود الإنسال الروحي ، وهو وجوده الأصيل . الذي أشارت إليه آية أخرى :
« وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ » .
« 3 » قال الإمام الصادق عليه السلام « إنّ اللّه خلق خلقا وخلق روحا . ثمّ أمر ملكا فنفخ فيه . . . » . « 4 » فهذا هو الإنسان ، مخلوق متركّب من جسم هو مادّي ، وروح هو لامادّي ، فبوجوده المادّي خلق ، وبوجوده اللّا مادّي خلق آخر . وبوجوده هذا الآخر يستأهل للاتصال بالملأ الأعلى ، لابوجوده ذاك المادي الكثيف .
نعم جاءت فكرة إنكار الوحي ، نتيجة للنظرة الماديّة البحتة إلى هذا الإنسان ، وهي نظرة قاصرة بشأن الإنسال ، سادت اروبا في عصر نشوء الفكرة الماديّة عن الحياة ، والتي جعلت تتقدّم وتتوسّع كلّما تقدّمت العلوم الصناعيّة في القرنين الثامنعشر والتاسععشر ، وأخذت المقاييس المعنويّة في الحياة تتدهور تراجعا إلى الوراء . وكادت الموجة تطبق
هامش
( 1 ) - البقرة 156 : 2 .
( 2 ) - المؤمنون 12 : 23 - 14 .
( 3 ) - السجدة 7 : 32 - 9 .
( 4 ) - بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 32 ، ح 5 .