أم كيف تتوصّل إلى سرّ زيادة الألف في
« سَعَوْا »
في سورة الحج ، ونقصانها من « سعو » في سورة سبأ !
وإلى سرّ زيادتها في
« عَتَوْا »
حيث كان . ونقصانها من
« عُتُوٍّ »
في سورة الفرقان !
وإلى سرّ زيادتها في
« آمَنُوا »
وإسقاطها من
« باؤُ
.
جاؤُ
تبوّؤ .
فاؤُ
» بالبقرة ! - ثمّ يقول : - وكيف تتوصّل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض !
فكلّ ذلك لأسرار إلهيّة وأغراض نبويّة . وإنّما خفيت على الناس لأنّها أسرار باطنيّة لا تدرك إِلّا بالفتح الربّاني . فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المقطّعة التي في أوائل السور ، فإنّ لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ، ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهيّة التي أشير إليها ، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف » . « 1 »
هذا وقد كشف بعضهم عن هذا السرّ الخفيّ ، وأبدى تمحّلات غريبة ، فزعم أنّ زيادة الألف في « لااذبحنه » إنّما كانت للدلالة على أنّ الذبح لم يقع . وأنّ زيادة الياء في « وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْيدٍ » « 2 » للإيماء إلى تعظيم قوّة اللّه التي بنى بها السماء ، وأنّها لاتشبهها قوّة ، على حدّ القاعدة المشهورة : زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني . « 3 »
وقد أوضح في ذلك وأسهب أبو العباس المراكشي الشهير بابن البناء ( ت 721 ) في كتابه « عنوان الدليل في مرسوم التنزيل » ، وبيّن أنَّ هذه الأحرف إنّما اختلف حالها في الخطّ بحسب اختلاف وأحوال معاني كلماته ، من حكم خفيّة وأسرار بهيّة ، منها : التنبيه على العوالم الغائب والشاهد ، ومراتب الوجود والمقامات . والخطّ إنّما يرتسم على الأمر الحقيقي لا الوهمي . . .
هامش
( 1 ) - مناهل العرفان ، ج 1 ، ص 382 - 383 نقلًا عن ابن المبارك في كتابه « الابريز » .
( 2 ) - الذاريات 47 : 51 .
( 3 ) - مقدّمة ابن خلدون ، ص 419 ؛ ومناهل العرفان ، ج 1 ، ص 374 .