حكى أبو أحمد العسكري « 1 » أنّ الناس غبروا يقرأون في مصحف عثمان نيفا وأربعين سنة إلى أيّام عبد الملك بنمروان ، ثمّ كثر التصحيف وانتشر بالعراق ، ففزع الحجاج بنيوسف إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات . فيقال : إنّ نصر بنعاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادا وأزواجا وخالف بين أماكنها . . . « 2 »
وقال الأُستاذ الزرقاني : أوّل من نقّط المصحف هو يحيى بنيعمر ونصر بنعاصم تلميذا أبي الأسود الدؤلي . « 3 »
أوّل من شكّل المصحف
وهكذا كان الخطّ العربيّ آنذاك مجرّدا عن التشكيل ( علائم حركة الكلمة وإعرابها ) وبطبيعة الحال كان المصحف الشريف خلوا عن كلّ علامة تشير إلى حركة الكلمة أو إعرابها .
بيد أنّ القرآن في الصدر الأوّل كان محفوظا في صدور الرجال ومأمونا عليه من الخطأ واللحن ، بسبب أنّ العرب كانت تقرؤه صحيحا حسب سليقتها الفطريّة التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت . أضف إلى ذلك شدّة عنايتهم بالأخذ والتلقّي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوّة . فقد توفّرت الدواعي على حفظه وضبطه صحيحا حينذاك .
أمّا وبعد منتصف القرن الأوّل حيث كثر الدخلاء وهم أجانب عن اللغة فإنّ السليقة كانت تعوزهم ، فكانوا بأمسّ حاجة إلى وضع علائم ودلالات تؤمّن عليهم الخطأ واللحن .
مثلًا : لفظة « كتب » كانت العرب تعرف بسليقتها الذاتيّة ، أنّها في قوله تعالى :
« كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
« 4 » تقرأ مبنيّا للفاعل ، وفي قوله تعالى :
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ »
« 5 » مبنيّا
هامش
( 1 ) - في كتاب التصحيف ، ص 13 .
( 2 ) - وفيات الأعيان ، ج 2 ، ص 32 في ترجمة الحجاج .
( 3 ) - مناهل العرفان ، ج 1 ، ص 406 .
( 4 ) - الأنعام 54 : 6 .
( 5 ) - البقرة 183 : 2 .