يفكّروا في مستقبل الأُمَّة الإسلامية ، ويضعوا علاجا لما يحتمل الخلل في قراءة القرآن قبل وقوعه . ولكن أنّى وروح الإهمال والتساهل كان مسيطرا تماما على المسؤولين آنذاك .
هذا . . وقد أغرب ابن الجزري ، فزعم أنّ المسؤولين آنذاك تركوا وضع العلائم عن عمد وعن قصد ، لحكمة ! قال : وذلك ليحتمل الخطّ ما صحّ نقله وثبتت تلاوته عن النبيّ صلى الله عليه وآله إذ كان الاعتماد على الحفظ والسماع لاعلى مجرد الخطّ . « 1 »
ووافقه الزرقاني على هذا التبرير المفضوح ، قال : كانوا يرسمونه بصورة واحدة خالية من النقط والشكل ، تحقيقا لهذا الاحتمال . « 2 »
لكن لا مجال لهذا التبرير بعد أن نعلم أنّ الخطّ عند العرب حينذاك كان بذاته خاليا عن كلّ علامة مائزة . وكان العرب هم في بداءة معرفتهم بالخطّ والكتابة ، فلم يكونوا يعرفون من شؤون الإعجام والتشكيل وسائر العلائم شيئا لحدّ ذاك الوقت .
نشأة الخطّ العربيّ
ليس في آثار العرب بالحجاز مايدلّ على معرفتهم بالكتابة ، إِلّا قبيل الإسلام .
والسبب في ذلك أنّ العرب كان قد غلب على طباعهم البداوة ، فكانوا في ترحال وارتحال أو حروب وغارات ، وكانت تصرفهم عن التفكّر في شؤون الصناعات ، والكتابة من الصناعات الحضريّة .
لكن بعض العرب ممّن رحلوا إلى الشام والعراق في تجارة أو سفارة ، جعلوا يتخلّقون بأخلاق تلكم الأُمم المتحضّرة . فاقتبسوا منهم الكتابة والخطّ على سبيل
هامش
( 1 ) - النشر في القراءات العشر ، ج 1 ، ص 7 .
( 2 ) - مناهل العرفان ، ج 1 ، ص 258 .