كما ننبّه .
وهناك عامل آخر عمل في نظم قسم من الآيات على خلاف ترتيب نزولها ، وذلك بنصّ من رسولاللّه صلى الله عليه وآله وتعيينه الخاصّ : كان يأمر - أحيانا - بثبت آية في موضع خاصّ من سورة سابقة كانت قد ختمت من قبل . ولاشكّ أنّه صلى الله عليه وآله كان يرى المناسبة القريبة بين هذه الآية النازلة والآيات التي سبق نزولها ، فيأمر بثبتها معها بإذن اللّه تعالى .
وهذا جانب استثنائي للخروج عن ترتيب النزول ، كان بحاجة إلى تصريح خاصّ :
روى أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص قال : كنت جالسا عند رسولاللّه صلى الله عليه وآله إذ شخَص ببصره ، ثمّ صوّبه . ثمّ قال : أتاني جبرائيل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى . . . »
« 1 » فجعلت في سورة النحل بين آيات الاستشهاد وآيات العهد . وروى أنّ آخر آية نزلت قوله تعالى :
« وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ »
« 2 » فأشار جبرائيل أن توضع بين آيتي الربا والدَّين من سورة البقرة . « 3 » وعن ابنعباس والسدّي : أنّها آخر ما نزلت من القرآن . قال جبرائيل : ضعها في رأس الثمانين والمائتين ، « 4 » ولاتخفى المناسبة القريبة بينها وبين آيتي الربا والدَّين . وكذا الآية السابقة في سورة النحل ! وعن ابنعباس أيضا : قال : كان رسولاللّه صلى الله عليه وآله يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا . « 5 »
هذا ممّا لاخلاف فيه ، كما صرّح بذلك أبو جعفر بن الزبير ، قال : « ترتيب الآيات في سُوَرها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وآله وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين » . « 6 »
وربّما كانت تنزل السورة وقبل أن تكتمل ، تفتتح سورة أخرى وتكتمل هذه الأخيرة قبل أن تكتمل الأُولى . وذلك أيضا كان بأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وبإشارته . كما في سورة البقرة هي
هامش
( 1 ) - النحل 90 : 16 .
( 2 ) - البقرة 281 : 2 .
( 3 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 173 و 78 .
( 4 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 394 .
( 5 ) - أخرجه الترمذي بطريق حسن ، والحاكم بطريق صحيح . راجع : البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 241 ؛ وتاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 36 .
( 6 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 172 .