أمثل من لا يعرف الأبّ من القتّ « 1 » ويجهل الكثير من الآداب والسنن « 2 » يقوم بتأنيب ناموس الشريعة وصميم العربيّة الفصحاء ؟ ! إنْ هذا إِلّا وهم ناشئ عن عصبيّة عمياء أعاذنا اللّه منها !
وبعد . . فإذ قد عرفت قيمة ما اسند من روايات أسباب النزول الواردة في أهمّ الكتب الحديثيّة ، فكيف بالمقطوع والمرسل والمجهول . الأمر الذي ينبؤك عن أصالة مالدينا من صحاح الروايات في هذا الباب . وقد صحّ كلام الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصل معتمد :
المغازي والملاحم والتفسير .
هذا السيوطي يخرّج لقوله تعالى :
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
« 3 » خمسة أوجه : الأوّل : إنّه في تحويل القبلة وارتياب اليهود في ذلك . عن ابنجرير وابن أبيحاتم من طريق علي بن أبيطلحة عن ابنعباس .
الثاني : أن تصلّي حيثما توجّهت به راحلتك . أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عمر .
الثالث : إنّه كان في سفر ليلة ظلماء فصلّى كلّ رجل على حياله لا يدرون أين وجه القبلة . أخرجه الترمذي من حديث عامر بنربيعة . وكذا الدارقطني من حديث جابر .
الرابع : لمّا نزلت
« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »
« 4 » قالوا : إلى أين ؟ فنزلت . أخرجه ابن جرير عن مجاهد .
الخامس : عن قتادة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : إنّ أخا لكم قد مات فصلّوا عليه ، فقالوا : إنّه كان لايصلّي إلى القبلة . . فنزلت . .
قال السيوطي - تعقيبا على ذلك - : فهذه خمسة أسباب مختلفة ، وأضعفها الأخير
هامش
( 1 ) - أخرج الطبري في التفسير ، ج 30 ، ص 38 ، عن أنس قال : قرأ عمر سورة عبس ، فلمّا أتى على هذه الآية« وَفاكِهَةً وَأَبًّا »قال : عرفنا الفاكهة فما الأبّ ؟ . . ثمّ قال : إنّ هذا لهو التكلّف ! . وأورده ابنكثير في تفسيره : ج 4 ، ص 473 ، وصحّحه . . . ثمّ تعجّب من عدم فهم عمر معنى الأبّ ، لأنّ الكلّ يعلم أنّه من نبات الأرض ممّا يقتات به البهائم لقوله تعالى بعد ذلك« مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ »فالأبّ علف الدوابّ كالقتّ .
( 2 ) - راجع : نوادر الأثر في علم عمر : الغدير ، ج 6 ، ص 83 .
( 3 ) - البقرة 115 : 2 .
( 4 ) - غافر 60 : 40 .