والسبب في ذلك : أنّ جبرائيل كان حينما يتمثّل بشرا ، يتمثّل صورة إنسان خلقة اللّه على الفطرة الأُولى ، والإنسان في أصل خلقته جميل ، فكان يتمثّل جبرائيل في أجمل صورة إنسانيّة . وبما أنّ دحية كان أجمل انسان في المدينة ، كان الناس يزعمون من جبرائيل - وهو يتمثّل بشرا - إنّه دحية الكلبي ، ومن ثمّ كان العكس هو الصحيح . قال رسولاللّه صلى الله عليه وآله : كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبي ، وكان دحية رجلًا جميلًا .
والظاهر أنّ الجملة الأخيرة هي من كلام أنس ، راوي الحديث « 1 » أي على صورة تشبهها صورة دحية . وكان الصحابة يزعمونه دحية حقيقة ، ومن ثمّ نهاهم رسولاللّه صلى الله عليه وآله أن يدخلوا عليه إذا وجدوا دحيّة عنده . قال : إذا رأيتم دحية الكلبي عندي فلايدخلن عليّ أحد . « 2 »
وكان جبرائيل قد يتمثّل للصحابة أيضا بصورة دحية ، كما في غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة شاهده الصحابة على بغلة بيضاء . « 3 »
وشاهده أيضا عليّ عليه السلام دفعات بمحضر النبيّ صلى الله عليه وآله وتكلّم معه ، والنبيّ صلى الله عليه وآله راقد . « 4 »
وأمّا نزول الملك عليه بالوحي من غير أن يراه فكثير أيضا ، إمّا إلقاء على مسامعه وهو يصغي إليه ، أو إلهاما في قلبه فيعيه بقوّة . قال تعالى :
« وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » .
« 5 »
كان صلى الله عليه وآله في أوائل نزول الملك عليه بالوحي ، يخشى أن يفوته اللفظ ومن ثمَّ كان يحرّك لسانه وشفتيه ليستذكره ولا ينساه ، فكان يتابع جبرائيل في كلّ حرف يلقيه عليه ، فنهاه تعالى عن ذلك ووعده بالحفظ والرعاية من جانبه تعالى ، قال :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ »
« 6 » وربّما كان صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) - المصدر ؛ وأسد الغابة ، ج 2 ، ص 130 .
( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 37 ، ص 326 ، ح 60 ، عن كتاب حجة التفصيل لابن الأثير .
( 3 ) - سيرة ابنهشام ، ج 3 ، ص 245 .
( 4 ) - بحار الأنوار ، ج 20 ، ص 210 وج 22 ، ص 331 - 332 ، ح 43 ؛ ومجمع البيان ، ج 8 ، ص 351 .
( 5 ) - الشعراء 192 : 26 - 195 .
( 6 ) - القيامة 16 : 75 - 19 .