مالك ، وكانت لابن سيرين يد طولى في تعبير الرؤيا وينقل عنه في ذلك قضايا عجيبة ، وكان ذلك صادرا عن ذوق سليم وفكر ثاقب فانّه كان يطبّق حوادث الرؤيا على ما يشاكلها من الحقايق وتارة يطبّقها على ما يستفاد من عبارات القرآن الكريم أو الحديث ، فكان أكثر ما يفسّره ابن سيرين استنادا على هذين الوجهين يصدق حيث يكون للرؤيا محلّ للتصديق ، كما روي انّه سأله رجل عن الأذان فقال : الحجّ ، وسأله آخر فأوّل بقطع السرقة ، وقال : رأيت الأوّل في سيماء حسنة فأوّلت :
« وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ »
« 1 » ولم أرض هيئة الثاني فأوّلت :
« أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ »
« 2 » ، إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في « 3 » .
وحكي انّه قالت له امرأة : رأيت كأنّي أضع البيض تحت الخشب فتخرج فراريج ، فقال ابن سيرين : ويلك اتّقي اللّه فانّك امرأة توفقين بين الرجال والنساء فيما لا يحبّه اللّه ( عزّ وجلّ ) ، فقيل له : من أين أخذت ذلك ؟ قال : من قوله تعالى في النساء :
« كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ »
« 4 » وشبّه المنافقين بالخشب :
« كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ »
« 5 » فالبيض النساء والخشب هم المفسدون والفراريج هم أولاد الزنا ؛ وكان بينه وبين الحسن البصري من المنافرة ما هو مشهور بحيث قيل : جالس إمّا الحسن أو ابن سيرين ، توفّي سنة ( 110 ) عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم وهذا كما يحكى عن جرير والفرزدق فانّه كان بينهما من المنافرة والمهاجاة كما كان بين الحسن وابن سيرين ، فلمّا مات الفرزدق وبلغ خبره جريرا بكى وقال : أما واللّه اني لأعلم اني قليل البقاء بعده ولقد كان نجمنا واحدا وكان كلّ واحد منّا مشغول بصاحبه وقلّ ما مات ضدّ أو صديق الّا وتبعه صاحبه ، وكان كذلك فانّه مات
هامش
( 1 ) سورة الحجّ / الآية 27 .
( 2 ) سورة يوسف / الآية 70 .
( 3 ) ق : 14 / 45 / 451 ، ج : 61 / 222 .
( 4 ) سورة الصافّات / الآية 49 .
( 5 ) سورة المنافقون / الآية 4 .