حضرتموه بالمدينة والدار منّا عنه نازحة ، وقد حضره المهاجرون ، والأنصار عنه بمعزل ، وكنتم بين خاذل وقاتل ، وامّا عائشة فانّي خذلتها في طول باع ورحب سرب ، وذلك انّي لم أجد في كتاب اللّه إلّا أن تقرّ في بيتها ، وأمّا ورودي الماء بصفّين فاني وردت حين أردت أن تقطع رقابنا عطشا ، فقام معاوية وتفرّق الناس ، ثمّ أمر معاوية للأحنف بخمسين ألف درهم ولأصحابه بصلة فقال للأحنف حين ودّعه : حاجتك ، قال : تدرّ على الناس عطيّاتهم وأرزاقهم وإن سألت المدد أتاك منّا رجال سليمة الطاعة شديدة النكاية ،
وقيل انّه كان يرى رأي العلويّة ، ووصل الحباب بثلاثين ألف درهم وكان يرى رأي الأمويّة فصار الحباب إلى معاوية وقال :
يا أمير المؤمنين تعطي الأحنف ورأيه رأيه خمسين ألف درهم وتعطيني ورأيي رأيي ثلاثين ألف درهم ؟ فقال : يا حباب انّي اشتريت بها دينه ، فقال الحباب : يا أمير المؤمنين تشتري منّي أيضا ديني ، فأتمّها له وألحقه بالأحنف فلم يأت على الحباب أسبوع حتّى مات وردّ المال بعينه إلى معاوية ، فقال الفرزدق يرثي الحباب :
أتأكل ميراث الحباب ظلامة * وميراث حرب جامد لك ذائبه
الأبيات . بيان : طول باعه كناية عن الاقتدار والشوكة ؛ والرّحب بالضم : السعة ؛ والسرب : الطريق ، أي انّي لم أخذلها وهي محتاجة إلى الإنتصار بل خذلتها وهي في طول باع ورحب سرب ، أي في مندوحة وفسحة عن القتال وتجهيز الجيش بأن تقرّ في بيتها موقّرة مكرّمة رخيّة البال لأنّها لم تكن مأمورة بالمسير إلى البصرة وتجهيز الجيش ومقاتلة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ؛ قوله : جامد لك ذائبه لعله كناية من انّه محفوظ لك لم يبطل منه شيء ممّا كان في معرض البطلان والضياع ولم يتعدّ إلى الغير « 1 » .
وفي خبر آخر انّ حارثة أيضا قال : اشتر منّي ديني يا معاوية ، وقد تقدّم في « حرث » « 2 » .
هامش
( 1 ) ق : 8 / 53 / 576 ، ج : 33 / 246 .
( 2 ) ق : 10 / 21 / 131 ، ج : 44 / 133 .