وبنبت في أرض كوكو العود المسمى بعود الحية ، من خاصته أنه إذا وضع على جحر الحية خرجت إليه بسرعة ، ثم إن ماسك هذا العود يأخذ من الحيات ما شاء بيده من غير جزع يدركه ، ويجد في نفسه قوة عند أخذها ، والصحيح عند أهل المغرب الأقصى وأهل واركلان ان هذا العود إذا أمسكه ماسك بيده أو علقه في عنقه لم تقربه حية البتة كصفة العاقر قرحا ، لكنه أسود اللون . ومن كوكو إلى غانة شهر ونصف .
كوثا
« 1 » : مدينة بالعراق إلى جانب بابل ، فيها ولد إبراهيم الخليل عليه السّلام ، وفيها المكان الذي فيه كان حبس إبراهيم الخليل عليه السّلام والبيت الذي كان محبوسا فيه ، ويقال إن بها طرح إبراهيم الخليل عليه السّلام في النار ، وبها تلول رماد عالية قد لزق بعضه ببعض يقال إنه رماد نار النمرود بن كنعان الذي طرح فيها إبراهيم عليه السّلام .
ولما انقضى « 2 » أمر القادسية قدم سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه زهرة بن حوية ثم اتبعه الجند ، فلقي بأطراف كوثا جمعا من جموع العجم مقدمهم شهريار ، فخرج ينادي : ألا رجل ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلي حتى أثكلكم « 3 » به ، فقال له زهرة ، وقد كايده ، لقد أردت أن أبادرك ، فاما إذ سمعت قولك فاني لا أخرج إليك إلا عبدا ، فان أقمت قتلك ان شاء اللّه ، وان فررت منه فإنما فررت من عبد ؛ ثم أمر أبا نباتة نائلا الأعوجي ، وكان من شجعان بني تميم ، فخرج إليه ، مع كل واحد منهما الرمح ، وكلاهما وثيق الخلق ، إلا أن شهريار مثل الجمل ، فلما رأى نائلا ألقى الرمح ليعتنقه ، وألقى نائل رمحه ليعتنقه ، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا بهما ثم اعتنقا فخرّا عن دابتيهما ، فوقع شهريار على نائل كأنه بيت فضغطه بفخذه ، وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه ليذبحه ، فوقعت ابهامه في فم نائل ، فمضغها فحطم عظمها ، وأحسّ منه فتورا فثاوره فجلد به الأرض ، ثم فعد على صدره ، وأخذ خنجره فكشف درعه عن بطنه فطعنه في بطنه وجنبه حتى مات ، وأخذ فرسه وسواريه وسلبه ، وانكشف أصحابه فذهبوا في البلاد ، وأقام زهرة بكوثا حتى قدم سعد عليه ، فغنّم سعد نائلا ذلك السلب كله وقال : عزمت عليك يا نائل إلا لبست سواريه وقباءه ودرعه وركبت دابته ، وانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه في سلاحه على دابته ، فقال له سعد : اخلع سواريك الا أن ترى حربا فالبسهما ، فكان أول رجل من المسلمين سوّر بالعراق . وأقام سعد بكوثا أياما ، وأتى المكان الذي حبس فيه إبراهيم عليه السّلام بكوثا والبيت الذي كان فيه محبوسا فنظر إليه وصلّى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى إبراهيم وعلى أنبياء اللّه أجمعين . وقرأ
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
( آل عمران : 140 ) ، وقد مرّ في ذكر افرندين أن المسلمين لما دخلوا المدائن وناداهم رسول كسرى : هل إلى الصلح من سبيل ، أجابه رجل من المسلمين بلسانهم ، وكان لا يعرف منه شيئا : لا ، حتى نأكل عسل افرندين بأترج كوثا ، والقصة مشروحة هناك .
كويابة
« 4 » مدينة لصنف من الترك يسمون الروس ، ومبلغ تجار المسلمين من أرمينية إلى كويابة ، وبينها وبين ارثان « 5 » ثمان مراحل ، وأرثان لا يدخلها أحد من الغرباء لأنهم يقتلون كل غريب يصل إليهم ، فلا يتجرأ أحد أن يدخل أرضهم ، ويخرج من عندهم جلود الأنمار السود والثعالب السود والرصاص ، ويخرجها من عندهم تجار كوباية . والروس يحرقون موتاهم ولا يتدافنون ، وبعض الروس يحلقون لحاهم ، وبعضهم يفتلها مثل أعراف الدواب ويضفرها ولباسهم القراطق الصغار ، ولباس الروس غير لباس الخزر .
كوشة
« 6 » : بينها وبين مدينة نوابية في بلاد النوبة ستة أيام ، وهي تبعد عن النيل يسيرا ، وموضعها فوق خط الاستواء ، وأهلها قليلون ،
هامش
( 1 ) انظر معجم ما استعجم 4 : 1138 ، وياقوت ( كوثى ) .
( 2 ) الطبري 1 : 2422 .
( 3 ) قد تقرأ « أنكلكم » كما في بعض أصول الطبري ، وفي المتن : أنكّل .
( 4 ) كوكبانه في ص ع ؛ وأصل المادة عن الإصطخري ( الكرخي ) : 132 حيث يسميها « كويابة » بينما يوردها ياقوت نقلا عن الإصطخري : كوثابة ؛ وعند البكري ( ح ) : 153 :
كودانية ، كويانة ، وقد رجعت إلى مخطوطة الرباط من المسالك والممالك للبكري ( رقم 488 ق ) فوجدتها وردت عنده في موضعين « كوبانة » - وهي كالتي أثبتها المؤلف باسقاط الكاف الثانية ؛ ولعل الصواب « كويابة » وربما كانت تقابل لفظة (Kiev) .
انظر مينورسكي : 434 .
( 5 ) الكرخي : إرثا ؛ ياقوت : اربا ؛ البكري ( ح ) : أوثان ( وقال المحقق : يمكن أن تقرأ أرثان ) ، وقد قدّر فران (Frahn) أن تكون أرثا ( أو أرثان ) هيErzaوهي اسم لأحد القسمين الكبيرين في موردفا (Mordva) غير أن تحديدها على هذا النحو يتعارض مع قول الإصطخري : ان كويابه أقرب إلى البلغار ؛ وقد جاءت إرثا في بعض المصادر على صورة « ابارقه » مما حدا بشفولسون إلى أن يقرأ « أبارمه » أيPerm( انظر مينورسكي 435 - 436 والحواشي ) .
( 6 ) النصّ عن الإدريسي ( د ) : 19 (OG: 37 ) ، وفي ص ع : كوسه - بالسين المهملة - وهي كذلك في بعض أصول نزهة المشتاق .