تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
يودعونه دنانات فيخرج بعد مدة له عسلية لا يقدر على تناولها إلا بعد زوال تلك العسلية ثم لا يحاكيه شيء من التمر في طيب مذاقه وتعلكه ، ومرساها لا يستر من ريح ، إنما ترسي القوارب بواديها ، وهو نهر صغير يدخله المد والجزر . قالوا : وفي أهلها قلة ذمامة ، ولهم زي ونظافة ، وفي باديتها عتوّ وفساد وقطع سبيل . وقال أبو عبد اللّه الحنفي :
قلوصي إلى الترحال طال نزوعها * لها كل يوم [ أن تشد ] نسوعها إلى إن أحلتني لحيني بقابس * فصادفني ضنك الحجار وجوعها أعاين فيها كلّ أسود كالح * يلوح على الأسنان منه رجيعها بمجلس قاض يدّعي علم شرعة * ويعزب عنه أصلها وفروعها ولولا بنو الإفضال من آل مسلم * فإنّ لهم عندي يدا لا أضيعها سللت حسام الهجو فيهم فإنّ لي * به ضربات لا يفل صدوعها
وبقابس قصر العروسين « 1 » وهو من البناءات المشهورة ، وكان بناه بنو رشيد من العرب الذين وجههم العبيديون إلى إفريقية ، منهم مدافع بن رشيد بن مدافع بن جامع ، أناب إلى عبد المؤمن ابن علي لما طلع إلى إفريقية ، وأسكنه قابس ، وكان هؤلاء العرب تأخروا عن طاعته ، وواليهم يومئذ مدافع بن رشيد الدهماني ، وهم من سليم ، فألطفهم « 2 » ورفق بهم واستدعاهم بأشعار خاطبهم بها ، وتلوم « 3 » عليهم فلم يصل منهم جواب ، فبعث إليهم بعسكر عليهم ابنه عبد اللّه ، وأقام هو يحاصر المهدية ، فلما انتهى ابنه إلى قابس جمع مدافع أهله وعشيرته ومن انحاش إليه وفرّ ، فتبعته شرذمة من العسكر فواقفهم ساعة ، ثم انهزم ، وقتل جماعة من أهله وعشيرته ، وملك الموحدون قابس وحكموا على أهله وطائفته ، وهرب مدافع وتوغل في الصحراء ، وتبعته الخيل واستولت على ما معه ، وجاء هو بنفسه إلى أن استجار بعرب طرابلس ، فأقام عندهم نحو العامين ، وكان شاعرا أديبا حافظا للسير والأخبار ؛ ثم رأى التوجه إلى المغرب ، فسار واجتمع بعبد المؤمن بمدينة فاس « 4 » وأناب إليه ، فأسكنه قابس ، فأقام بها إلى أن توفي وقد ناهز التسعين . وكان لبني رشيد ذكر مع صنهاجة ، ومنهم أبو شاكر « 5 » عامر بن محمد بن سكن « 6 » بن جامع ، خرج يوم فرارهم من قابس وخلص إلى دمشق وأنشد له صاحب « الخريدة » « 7 » يتذكر أيامهم ببلدهم :
يا حار طرفي غير هاجع * والدمع من عينيّ هامع ولقد أرقت مسامرا * نجما بدا في الشرق طالع متذكرا لصروف ده * ر أصبحت فينا قواطع إني من الشمّ الألى * شادوا العلا أبناء جامع أهل المراتب والكتا * ئب والمواهب والصنائع يتسابقون إلى المعا * لي كلهم فيها مسارع ولقد ملكنا قابسا * بالمشرفيات القواطع
تسعين « 8 »
عاما لم يكن * خلق لنا فيها منازع
هامش
( 1 ) قد مرّ الحديث في مادة « العروسان » . ( 2 ) ناظر في مجمله إلى رحلة التجاني : 100 وما بعدها . ( 3 ) ص ع : وتلزم . ( 4 ) ص : قابس . ( 5 ) رحلة التجاني : 102 أبو ساكن . ( 6 ) الرحلة : مكي ؛ الخريدة : عسكر . ( 7 ) الخريدة ( قسم المغرب والأندلس ) 1 : 164 . ( 8 ) ص ع : تسعون .