ابن طريف إلى الرشيد سفرجلا ورمانا ففضلهما ، ورمّانها إمليسي ، وحمل إليه منها آلة للّهو يقال لها الزنج تشبه الصنج ، له سبعة عشر وترا « 1 » ، فلما استحضره قال : من لنا بمن يضرب به ؟ فقال :
لم أحمله إليك إلا وقد تعلمته ، فدعا « 2 » به وأمره بالضرب وأحضر وصيفة تسقيهما ، فضرب على الزنج ونظر إلى الوصيفة ثم غنّى :
ممكورة الساقين صفر الحشا * خلخالها يسقط من رجلها
لا والذي أصبحت عبدا له * ما نظرت عيني إلى مثلها
ممشوقة كالغصن ميالة * جارية أفرق من ظلها
فقال له الرشيد : لا تفرق من ظلها يا معلى ، هي لك ، خدها وانصرف إلى عملك ، ولست أعزلك عنه ما حييت « 3 » ، فرجع وبنى قصر المعلى واتخذ بها ضياعا .
الفارياب
« 4 » مدينة من الجوزجان أصغر من الطالقان قطرا ، وهي أكثر خلقا وأوفر عمارة وبساتين ومياها جارية ، وفيها طرز وصنائع وتجار مياسير ، وبها مسجد جامع .
وكان أهل الفارياب « 5 » قد جمعوا للأحنف بن قيس حين وجهه إليهم ابن عامر في أربعة آلاف فلقوه في ثلاثين ألفا ، ثلاثة زحوف فهزمهم اللّه تعالى ونصر المسلمين .
فاس
« 6 » : مدينة عظيمة ، وهي قاعدة المغرب ، وهما مدينتان مقترنتان يشق بينهما نهر كبير يسمى وادي فاس ، يأتي من عيون تسمى عيون صنهاجة ، وفي كل زقاق ساقية يجرونها متى شاءوا ، وفي كل دار صغيرة كانت أو كبيرة ساقية ماء ، وبين أهل المدينتين فتن ومصاولات ، وفيهما معا ضياع ومعايش ومبان سامية وقصور ، ولأهلها اهتمام بحوائجهم ، ونعمها كثيرة ، والحنطة بها رخيصة ، وفواكهها كثيرة ، وخصبها زائد ، وفي أهلها عزة ومنعة ، ومنها إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة .
وبالجملة فمدينة فاس « 7 » قطب بلاد المغرب الأقصى ويسكن حولها قبائل من البربر ، لكنهم يتكلمون بالعربية ، فهي حضرة المغرب الكبرى وإليها تشد الركائب وتقصد القوافل ، وتجلب إلى حضرتها كل غريبة من الثياب والبضائع والأمتعة ، وأهلها مياسير ولها من كل شيء حسن أوفر حظ .
ويدور عليها سور عظيم ، وبين المدينتين قناطر كثيرة ، وتطّرد فيها جداول لا تحصى تخترق كلتا المدينتين ، وفيها عيون كثيرة لا تحصى ، وهي أبدا تتزيد في مواضع الانخفاض من المدينة ، وفيها أرحاء للماء نحو ثلاثمائة وستين رحى يضمها السور ، سوى الأرحاء التي خلف السور ، وهي في التزيّد ، وربما وصلت أربعمائة ، والنهر الذي يخترق مدينتي فاس ينبعث من عين عظيمة لها منظر عجيب ، فيها نحو الستين فوارة في دائرة يجتمع منها هذا النهر الكبير ، بينها وبين المدينة نحو عشرة أميال في بساط من الأرض لا يكاد يتبين جري الماء فيه لاستواء أرضه .
ومدينة فاس « 8 » محدثة ، أسست عدوة الأندلسيين في سنة اثنتين وتسعين ومائة ، وعدوة القرويين في سنة ثلاث وتسعين ومائة ، في ولاية إدريس بن إدريس الفاطمي ، ومن ذريته بقايا إلى اليوم « 9 » ، ومدينة فاس اليوم في نهاية العمارة والصلاح ، قد بنيت أكثر جنانها الملاصقة لها دورا وأضيفت إليها ، وفيها اليوم ثلاثة جوامع بثلاث خطب ، جامع عدوة الأندلس ، وهو جامع كبير متقن البناء ، يقال إن ابن أبي عامر زاد فيه ، وجامع عدوة القرويين أكبر من جامع عدوة الأندلس ، وزيد في العهد القريب في هذا الجامع باب كبير مشرف جميل المنظر من جهة الجوف ، وسقاية متقنة البناء ملاصقة له ، ماؤها من الوادي ، وجلب لها ماء عين هو في أيام الحر في نهاية البرد ، وفي أيام البرد فيه بعض
هامش
( 1 ) قال المسعودي ( المروج 8 : 90 ) وكان غناء أهل خراسان وما والاها بالزنج وعليه سبعة أوتار وايقاعه يشبه ايقاع الصنج .
( 2 ) ص ع : فهلا .
( 3 ) ص ع : جيته .
( 4 ) قارن بياقوت ( فارياب ) ، والمؤلف ينقل عن نزهة المشتاق : 144 .
( 5 ) انظر الطبري 1 : 2897 .
( 6 ) الإدريسي ( د / ب ) : 75 / 50 ، وقارن بالبكري : 115 وما بعدها ، في كل المادة ، وابن الوردي : 14 ، وفي صبح الأعشى 5 : 154 ، نقل عن الروض .
( 7 ) الإدريسي ( د / ب ) : 79 / 53 .
( 8 ) الاستبصار : 180 .
( 9 ) يعني في عهد صاحب الاستبصار ، وعلى وجه الدقة سنة 587 .