تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
فيه التجار من الأقاليم ، وطرنش على نهر هو أعظم انهار افرنجة ، وعليه حصن من خشب عظيم جدا ، وأبوابه من خشب . وإنما عظموا مدينة طرنش للكنيسة التي بها ، وهي كنيسة عظيمة في وسطها صنم من فضة على صورة شنت مرتين ، وبها عظامه ، وبهذه الكنيسة من صدقات قارله تاجه الذي كان يلبسه مرصعا برفيع الجواهر ، وعصاه مفرغة ذهبا وقميصه منسوج بالذهب منظوم باللؤلؤ ، وفيها مصاحف إنجيلهم ألواحا من ذهب مكللة بالياقوت والزمرد ، وقارله هذا أول ملوكهم . وفي الإفرنج جمال ، وأكثرهم بيض‌شقر وقد يوجد فيهم سمر وسود الشعور ، ولهم عقول صحيحة ، وفيهم كيد ودهاء وكبر وبأس شديد وقسوة ، لا رأفة عندهم ، يموت حميم الرجل فلا يبكيه ، وهم أسخياء بطعامهم ، ويأكلون في اليوم مرات ، ويغتسلون يتطيبون ويغسلون شعورهم بالصابون ، ولهم حمامات يصنعونها لاستخراج فضول الأبدان بحجارة محماة يضعون عليها الكراسي ويصبون فوق تلك الحجارة الماء ، فيرتفع لذلك بخار يسيل عرق الأبدان ، وإذا اشتد الحرّ بافرنجة استحجرت الأرض وكثر الزلق ، فلا يركب الفارس إلا على خطر لا سيما إذا نزل المطر على النهر ، وإذا نزل الثلج على ذلك الجمد تسهلت الأرض وأمكن الركوب .

طرطوشة

« 1 » : من بلنسية إلى طرطوشة مائة ميل وعشرة أميال ، مسيرة أربعة أيام ، وهي في سفح جبل ، ولها سور حصين ، وبها أسواق وعمارات وضياع وفعلة ، وإنشاء المراكب الكبار من خشب جبالها ، وبجبالها خشب الصنوبر الذي لا يوجد له نظير في الطول والغلظ ، ومنه تتخذ الصواري والقرى ، وهو خشب أحمر صافي البشرة بعيد التغير لا يفعل فيه السوس ما يفعله في غيره من الخشب ، ومنها إلى طركونة خمسون ميلا ، وبينها وبين البحر الشامي عشرون ميلا . وقصبة طرطوشة على صخرة عظيمة سهلة الأعلى وفي الشرق من القصبة جبل الكمين « 2 » ، وهو جبل أجرد ، والمصلى والمدينة في غربي القصبة وجوفيها ، وعلى المدينة سور صخر من بناء بني أميّة على رسم أولي قديم ، ولها أربعة أبواب ، وأبوابها كلها ملبسة بالحديد ، ولها أرباض من جهة الجوف والقبلة ، ودار الصناعة ، قد أحدق على ذلك كله سور صخر حصين بناه عبد الرحمن ابن النظام ، وبها جامع من خمس بلاطات ، وله رحبة واسعة ، بني سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ، وبها أربعة حمّامات ، وسوقها في الربض القبليّ جامعة لكل صناعة ومتجر ، وهي باب من أبواب البحر ومرفأ من مرافئه يحلها التجار من كل ناحية ، وهي كثيرة شجر البقس ، ومنها تفترق إلى النواحي ، وخشبها الصنوبر له خاصية في الجودة تفوق جميع خشب الأمصار . وقصبة طرطوشة من المنعة والسمو في حدّ لم يستوفه بالصفة إلا عبد الملك بن إدريس الكاتب المعروف بالجزيري « 3 » حين سجنه بها المنصور ابن أبي عامر فقال يصف حاله هناك من قصيدة طويلة مشهورة :
في رأس أجرد شاهق عالي الذرى * ما بعده لمؤمل من مبصر يهوي إليه كل أجرد ناعب * وتهب فيه كل ريح صرصر ويكاد من يرقى إليه مرة * من دهره يشكو انقطاع الأبهر
وأول هذا الشعر :
ألوى بعزم تجلدي وتصبري * نأي الأحبة واعتياد تذكري شحط المزار ولا مزار ونافرت * عيني الهجوع فلا خيال يعتري وقصرت عنهم فاقتصرت على جوى * لم يدع بالواني ولا بالمقصر
ومن أهل طرطوشة الفقيه الإمام الزاهد أبو الوليد الطرطوشي الفهري « 4 » نزيل الإسكندرية ، صاحب التعليقة في الخلاف وكتاب
هامش
( 1 ) بروفنسال : 124 ، والترجمة : 151 (Tortosa) ، والإدريسي ( د ) : 190 ، وصبح الأعشى 3 : 235 . ( 2 ) بروفنسال : الكهف . ( 3 ) في ترجمة عبد الملك بن إدريس الجزيري انظر البغية رقم : 1158 ، والجذوة : 261 ، والمطمح : 13 ، واعتاب الكتاب : 193 ، والذخيرة 4 : 31 ، وصفحات متفرقة من النفح . وقصيدته هذه مشهورة عند الأندلسيين ، وقد كتبها يتشوق إلى ابنه الأصغر ، وضمنها نصائح كثيرة . ( 4 ) المشهور في كنيته « أبو بكر » وهو محمد بن الوليد ، وانظر ابن خلكان 4 : 262 ، وفي الحاشية مصادر أخرى لترجمته .