أخرجه ، وقد أجاب علي رضي اللّه عنه عن قول معاوية رضي اللّه عنه بأن قال : فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قتل حمزة حين أخرجه .
قال الإمام عبد القاهر في كتاب « الإمامة » من تأليفه :
أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي أهل الحديث والرأي ، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين أن عليا رضي اللّه عنه مصيب في قتاله لأهل صفين ، كما قالوا بإصابته في قتاله لأهل الجمل ، وقالوا أيضا : إن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ، ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم .
قال إمام الحرمين : كان علي رضي اللّه عنه إماما حقا ومقاتلوه بغاة وحسن الظن بهم يقتضي أن يظن بهم قصد الخير وإن أخطأوه .
وكان علي رضي اللّه عنه ركب بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم تعصب بعمامة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السوداء ثم نادى : أيها الناس من يشتري نفسه من اللّه ؟ من يبيع اللّه نفسه ؟ فانتدب لها ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفا فحمل بهم حملة واحدة ، فلم يبق لأهل [ الشام ] صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية رضي اللّه عنه فدعا بفرسه لينجو عليه ، فلما وضع رجله في الركاب تمثل بقول عمرو بن الاطنابة :
وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي
فأقام .
قال بشير الأنصاري : واللّه الذي بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما سمعنا برئيس قوم قط أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب علي يومئذ بيده ، انه قتل فيما ذكر العادّون زيادة على خمسمائة رجل من رجال العرب كان يخرج إليهم فيضرب فيهم ثم يجيء بسيفه منحنيا .
وسئل خبار : لم كان علي رضي اللّه عنه يحب ركوب البغال دون الخيل ، قال : لأنه لم يكن ممن يفرّ فيطلب السّوابق ، ولا يطلب الهارب ، فاقتصر على ما يحصل به فارسا دون ما يكون به فارّا أو طالبا . وكانت درعه صدرا بلا ظهر ، فقيل له : لو أحرزت ظهرك ، فقال : إذا وليت فلا وألت . وكان إذا استعلى الفارس قده وإذا استعرضه قطعه ، والقد القطع طولا [ والقطع ] القطع عرضا . ولمّا رأى معاوية رضي اللّه عنه ما لا قبل له به لأنه رأى أمر علي رضي اللّه عنه يقوى وأمره يضعف شاور عمرا رضي اللّه عنه فقال له : ما ترى ؟ قال : مر الناس برفع المصاحف ، فأمر برفع مائة مصحف ، فرفعت ، فلما رأى ذلك أصحاب علي رضي اللّه عنه كفّوا عن القتال ، فقال لهم علي رضي اللّه عنه : إن هذه لخديعة ، فسلوهم ما شأن هذه المصاحف ، فقال معاوية رضي اللّه عنه : نجعل القرآن حكما بيننا ونثوب إلى السلم ، فكان ذلك سببا لتحكيم الحكمين : أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاصي رضي اللّه عنهما ، وخرج الخوارج على علي رضي اللّه عنه ، وافتراق الناس واختلاف أصحابه .
قال شقيق بن سلمة : واللّه لكأني أنظر يومئذ إلى رجل واقف على فرس على تل ومعه رمح طويل في رأسه مصحف يقول : بيننا وبينكم ما في هذا المصحف ، ثم قرأ :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( آل عمران 23 ) ، ثم يقول : من لفارس ، من للروم ، فقال أناس من أصحاب علي رضي اللّه عنه :
يا أمير المؤمنين ، أنصف القوم ، فقال علي رضي اللّه عنه : واللّه ما كتاب اللّه يريدون . فلم يزالوا به ، قالوا له : ابعث حكما منك وحكما منهم . قال القاضي أبو بكر بن الطيب : ومعاذ اللّه أن يكون الحكمان حكما عليه بالخلع ، وإنما حكم عليه بذلك عمرو وحده ، وقد أنكر ذلك عليه أبو موسى وأغلظ له في القول ، وعلى أنهما لو اتفقا جميعا على خلعه لم ينخلع حتى يكون الكتاب والسنّة المجتمع عليهما يوجبان خلعه أو واحدا منهما .
وذكر « 1 » صعصعة بن صوحان العبدي ، قال : كان علي رضي اللّه عنه مصاف أهل الشام يوما بصفين حتى برز رجل من حمير من آل ذي يزن اسمه كريب بن الصباح ليس في أهل الشام يومئذ أشهر بشدة البأس منه ، برز بين الصفين ثم نادى : من يبارز ، فبرز إليه شرحبيل بن طارق البكري ، فقتل شرحبيل ، ثم نادى كريب : من يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن الجلاح ، فاقتتلا ، فقتل الحارث ، ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه عائذ ابن مسروق الهمداني ، فقتل عائذ ، ثم رمى كريب بأجسادهم
هامش
( 1 ) كتاب صفين : 315 - 316 .