[ و ] من مدينة سمرقند على أربعة فراسخ يخرج خليج من هذا الوادي يسمى العريش يسقي الرساتيق .
ولم يكن لمدينة سمرقند حائط غير سور المدينة ، فلما وردها أبو مسلم صاحب الدعوة ، بنى حائطا يحيط بها ، وعرض سور المدينة خمسون ذراعا وارتفاعه من قبل الخندق مائة ذراع ، وارتفاع حائط أبي مسلم خمس عشرة ذراعا ، وعرضه سبعة أذرع واستدارته سبعون ألف ذراع وعليه ثلاثمائة برج ، والغالب على هوائها اليبس ، وأهلها يستعملون دسم الطعام كثيرا ، ويشتكون بالبواسير ليبسها ، وعامة تجارها مراوزة ، وعربها من محارب وشيبان والأزد وباهلة وطيء ، ويقال : إن فقراء أهلها الذين يعطون الزكاة سبعة عشر ألفا ، وفقراء ربصها وسوادها خمسون ألفا ، وفي باب سمرقند مكتوب : بين هذه المدينة وصنعاء ألف فرسخ .
وسمرقند من عمل الصغد وهو كله من خراسان ، وحدّ عمل الصغد غربا ما بين كرمينية والدبوسية وشمالا وادي الشاش ومنبرها الأجل سمرقند ثم كش ثم نسف ثم الكشانية ثم أوفر « 1 » ثم الدبوسية ثم درغش .
وذكروا أن الططر « 2 » نزلوا على سمرقند انقضاء سنة ست عشرة وستمائة وفي سنة سبع عشرة ، وبها من جند خوارزم شاه خمسون ألف فارس ، فاغتّر بهم أهل المدينة وسبقوهم بالخروج إلى الططر ، وأخذ الجند في الاحتياط لما عرفوه من أمور الططر ، فتورط البلديون ، وقتل منهم في وقعة واحدة سبعون ألفا ، وطلب الجند الأمان ، فقال لهم الططر : أعطونا سلاحكم وخيلكم واخرجوا في أمان اللّه ، فلما أخذوا سلاحهم وخيلهم قال شيخ مجرب منهم : أهكذا نقتل كما يقتل كذا ؟ أما تعلمون غدر هؤلاء القوم وكيف قتلوا جند بخارى وجميع عامّتها بعد العذاب والفضيحة في الحرم ؟
واللّه لا أنزل حتى أقتل أو أرى ما يفعل اللّه بأصحابي ، فحكي ذلك لجنكيزخان ، فقال : ما في هذه المدينة رجل غير هذا الشيخ ، يقف حتى يشاهد ما نفعل بأصحابه ، ثم قتلوا عن آخرهم وهو ينظر إليهم ، وقيل للشيخ : قد أعتقك خاقان لأنك رجل ، فسر حتى تحدّث خوارزم شاه ، فسار على فرسه إلى خوارزم شاه وجعل يحذّر الجند والعامّة من أن يركنوا إلى أمان الططر وغدرهم « 3 » ومكرهم . ثم إنهم فعلوا بعامّة سمرقند ما فعلوه بأهل بخارى ورحلوا عن المدينة وهي خاوية على عروشها . وكانت سمرقند في نهاية العظم ، وكان بها جامع على قدر المدينة ، وأهلها حنفية لا يرون الصلاة في جامعين ، فكانوا إذا صلّي الظهر من يوم الجمعة ركبوا أو باتوا في أماكن لهم قرب الجامع لتقرب عليهم المسافة يوم الجمعة ، فقس على هذا كيف كانت هذه المدينة وما كان فيها من العدد .
سميساط
« 4 » : بلد من بلاد العجم منها السميساطي « 5 » ، رجل من العجم كان موصوفا بالورع والزهد ، كان بنى خانقة للصوفيّة بدمشق في موضع الدار التي كانت لعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه كان اشتراها وبناها وجعل لها الأوقاف الواسعة ، وأمر أن يدفن فيها ويختم عليه القرآن كل ليلة جمعة ، وعيّن من تلك الأوقاف لكل من يحضر لذلك في كل ليلة جمعة رطلا من خبز الحوارى ، وكان سبب تموله أنه وجد يوما من الأيام إزاء داره المذكورة رجلا أسود مريضا مطروحا بموضعه لا يلتفت إليه أحد فتأجر اللّه تعالى فيه والتزم تمريضه وخدمته اغتناما للثواب ، فجاءت وفاة الرجل ، فاستدعى ممرضه السميساطي المذكور وقال : أنت قد أحسنت إلي وخدمتني ولطفت بي ومرضتني ، وأشفقت لحالي وغربتي ، فأنا أريد أن أكافئك على ذلك زائدا على مكافأة اللّه تعالى لك عني في الآجل ، إن شاء اللّه تعالى ؛ إني كنت أحد فتيان الخليفة المعتضد العباسي معروفا بزمام الدار ؛ وكانت لي حظوة ومكانة ، فعتب عليّ في بعض الأمر فخرجت طريدا ، فانتهيت إلى هذه البلدة ، فأصابني من أمر اللّه تعالى ما أصابني ، فقيضك اللّه تعالى لي رحمة ، فأنا أقلدك أمانة وأعهد إليك عهدا ، إذا أنا متّ وغسلتني ودفنتني فانهض إلى بغداد ، وتلطف في السؤال عن دار زمام فتى الخليفة ، فإذا أرشدت إليها فتحيّل في اكترائها ، وأرجو أنّ اللّه تعالى يعينك على ذلك ، فإذا سكنتها فاعمد إلى موضع - سمّاه له وذكر له امارة عليه - فاحفر فيه مقدار كذا ، وانزع اللوح الذي تجد متعرضا تحت الأرض ، وخذ الذي تجده مدفونا وصيره في منافعك وما يوفقك اللّه إليه من وجوه الخير وأعمال البرّ
هامش
( 1 ) ص ع : ازمخير ، وعند ياقوت : أوغر .
( 2 ) قارن بابن الأثير : 12 : 367 .
( 3 ) ع ص : وغيرهم .
( 4 ) عن ابن جبير : 289 ؛ وهو متابع له في قوله « بلد من بلاد العجم » وذلك تعريف قاصر ، فان سميساط من بلاد الفرات الأعلى ، قال ياقوت « في طرف بلاد الروم على غربي الفرات » .
وانظر المصادر الجغرافية الأخرى .
( 5 ) اسمه عند الذهبي ( المشتبه : 372 ) أبو القاسم علي بن محمد .