ألا من مبلغ النعمان عني * علانية وما يغني السرار
فيها :
فهل من خالد إما هلكنا * وهل بالموت يا للناس عار
تمثل به معاوية عند موته ، ومنها قوله :
أبلغ النعمان عني مألكا * انه قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
فلم يزل في حبسه حتى مات ، ويقال إنه قتله .
وكان لعدي ابن يقال له زيد ، فوصل إلى ابرويز حتى حل محل أبيه ، ثم ذكر له بنت النعمان وجمالها ، فأرسل فيها ، فكتب إليه النعمان يحقر حالها وقال للرسول ، وهو زيد بن عدي :
يا زيد أما لكسرى في مها السواد كفاية حتى تخطى إلى العربيات ! ! فقال زيد : إنما أراد الملك اكرامك ، أبيت اللعن ، بصهرك ، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعل ، وسأحسّن ذلك عنده وأعذرك بما يقبله ، فقال النعمان : فافعل فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الغضاضة والشناعة . فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه راغب عنه ، وأدى إليه قوله في مها السواد على أقبح الوجوه وأوجده عليه ، فقال : رب عبد قد صار من الطغيان إلى أقبح من هذا ، فلما بلغت كلمته النعمان تخوفه ، فخرج هاربا حتى أتى إلى طيء لصهر له فيهم ، ثم خرج من عندهم حتى أتى بني رواحة ابن ربيعة بن مازن ، فقالوا له : أقم معنا فإنا مانعوك ممّا نمنع منه أنفسنا ، فجزاهم خيرا ورحل عنهم يريد كسرى ليرى فيه رأيه ، وفي ذلك يقول زهير بن أبي سلمى :
ألم تر للنعمان كان بنجوة * من الدهر لو أن امرءا كان ناجيا
فلم أر مسلوبا له مثل ملكه * أقل صديقا معطيا ومواسيا
خلا أن حيا من رواحة حافظوا * وكانوا أناسا يتقون المخازيا
فقال لهم خيرا وأثنى عليهم * وودعهم توديع ألا تلاقيا
وأقبل النعمان حتى أتى المدائن ، فصفّ له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات صفين ، فلما صار النعمان بينهن قلن له : أما فينا للملك غنى عن بقر السواد ؟ فعلم النعمان أنه غير ناج منه . ولقيه زيد بن عدي ، فقال له النعمان : فعلتها ؟ لئن تخلصت لك لأسقينك بكأس أبيك ، فقال زيد : امض نعيم فقد آخيت لك أخيّة لا يقطعها المهر الأرن ، فأمر به كسرى فحبس بساباط المدائن ، ثم أمر به فرمي تحت أرجل الفيلة ، وقال بعضهم بل مات في محبسه بساباط ، وقد ذكر ذلك الأعشى في قوله « 1 » :
ولا الملك النعمان يوم لقيته * بغبطته يعطي الصكوك ويأفق
ويقسم أمر الناس يوما وليلة * وهم ساكتون والمنية تنطق
فذاك وما انجى من الموت ربه * بساباط حتى مات وهو محرزق
وكان النعمان حين توجه إلى كسرى مستسلما مرّ على بني شيبان فأودع سلاحه وعياله عند هانئ بن مسعود الشيباني ، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانئ بن مسعود يطالبه بتركته فامتنع وأبى أن يخفر الذمة ، فكان ذلك السبب الذي هاج حرب ذي قار « 2 » .
وقال إبراهيم بن رزمان : كان لنا جار ينزل في دار الحسن ابن شعيب الساباطي ، وكان يعرف بخصيب من أهل أصبهان ، وكان له كلب جاء به من الجبل ، قال : فرأيته يوما وقد وقع بينه وبين جار له كلام إلى أن تواثبا ، فلما رأى الكلب الرجل قد وثب على صاحبه قفز إليه فوضع مخالبه في أخدعيه ، فرأيت الدماء
هامش
( 1 ) ديوان الأعشى : 147 .
( 2 ) قد مرّ ذلك مفصلا في « ذو قار » .