تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
قريش نفر ، قال : والأرض إذ ذاك مفاوز ، قال : فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز نفد « 1 » ماء عبد المطلب ومن معه من بني عبد مناف وظمئوا حتى أيقنوا بالهلاك ، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا أن يسقوهم وقالوا : انا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم ، فقال عبد المطلب لمن معه : ما ذا ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت ، قال : فاني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفيرة لنفسه فمن مات دفناه في حفرته ، ففعلوا وجلسوا ينتظرون الموت عطشا ، ثم قال لهم : اركبوا نطلب الماء ، فركبوا وتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب ، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل من قريش فقال : هلموا إلى الماء فقد سقانا اللّه فاشربوا واستقوا ، فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا : قدر اللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب ، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا ، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا ، فرجع ورجعوا معه ، فلم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها . قال : فلما تمادى « 2 » في الحفر وجد فيها غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة ، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا ، قال : فضرب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب في الباب الغزالين من ذهب ، فكان أول ذهب حلّيته الكعبة فيما يزعمون . ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج . قال ابن إسحاق « 3 » : فعفّت زمزم على البئار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج ، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام ولفضلها على ما سواها من المياه ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السّلام ، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب . قالوا « 4 » : وكانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيما لجدها إبراهيم وتمسكا بهديه ، وكان ساسان إذا أتى البيت طاف بها وزمزم على بئر إسماعيل ، وقيل إنما سميت زمزم لزمزمته عليها هو وغيره من فارس ، وفي ذلك قيل قديما :
زمزمت الفرس على زمزم * وذاك في سالفها الأقدم
وكان صنع خالد القسري فيما بين زمزم والحجر الأسود حوضا كحوض العباس رضي اللّه عنه وجلب إليه الماء العذب من أصل جبل ثبير ، وكان ينادي مناديه : هلموا إلى الماء العذب واتركوا أم الخنافس ، يعني زمزم ، أخزاه اللّه ، فلما مضت دولة بني أميّة غيّر أهل مكة تلك السقاية وهدموها ولم يتركوا لها أثرا .

زمخشر

« 5 » : قرية من قرى خوارزم منها محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري أبو القاسم الأستاذ صاحب التفسير المسمى ب « الكشاف عن حقائق التنزيل » العلامة النحوي ، ذكره السمعاني ، قال : كان ممن يضرب به المثل في علم الأدب والنحو واللغة ، لقي الأفاضل الكبار وصنف التصانيف في التفسير وغريب الحديث والنحو وغيرها ، ورد بغداد غير مرة ، ودخل خراسان عدة نوب وما دخل بلدة إلا اجتمعوا إليه وسلموا له واستفادوا منه ، وكان علامة الأدب ونسّابة العرب ، أقام بخوارزم تضرب إليه آباط الإبل وتحط بفنائه رحال الرجال ، ثم خرج منها إلى الحج وأقام برهة من الزمان بالحجاز ، ثم انكفأ راجعا إلى خوارزم ، وتوفي بها ليلة عرفة من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة . وله : « الكشاف » في التفسير و « الفائق » في غريب الحديث و « المفصل » في النحو وغيرها ، وله يرثي أستاذه أبا مضر :
وقائلة ما هذه الدرر التي * تساقطها عيناك سمطين سمطين فقلت هو الدر الذي قد حشا به * أبو مضر أذني تساقط من عيني
وله أشعار جيدة وغزل مليح ، ومن شعر أبي الحسن علي [ بن عيسى ] « 6 » بن حمزة الحسني المالكي في الزمخشري :
هامش
( 1 ) السيرة : فني . ( 2 ) متابع للنقل عن السيرة 1 : 146 . ( 3 ) السيرة 1 : 150 . ( 4 ) مروج الذهب 2 : 148 - 149 . ( 5 ) قارن بياقوت ( زمخشر ) ، وفي ترجمة الزمخشري انظر ابن خلكان 5 : 168 وطبقات المعتزلة : 20 ، ولسان الميزان 6 : 4 ، والجواهر المضية 2 : 160 . وإنباه الرواة 3 : 265 ومرآة الجنان 3 : 269 ، والأنساب واللباب : ( زمخشري ) . ( 6 ) زيادة من ياقوت .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 293 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس