ونجلس على كراسي الذهب ، فدعونا إلى النصرانية فلم نجبهم ، وأخذناهم فعذبناهم وحلقنا رؤوسهم ولحاهم ، ولمّا ظهر لنا صدق قولهم ، حلقنا لحانا ، كفّارة لما ركبنا من حلق لحاهم .
وإنما صار النصارى يعظمون الأحد لأنهم يزعمون أن المسيح قام في القبر ليلة الأحد وارتفع إلى السماء ليلة الأحد بعد اجتماعه مع الحواريين ، وهم لا يرون الغسل من الجنابة ولا وضوء عندهم للصلاة وإنما عبادتهم النية ، ولا يأخذون القربان حتى يقولوا : هذا لحمك ودمك ، يريدون المسيح ، والسكر عندهم حرام ، ولا يتكلم أحدهم إذا أخذ القربان حتى يغسل فمه « 1 » ، وإذا تقربوا قبّل بعضهم بعضا وتعانقوا ، ولا يتزوج أحد منهم أكثر من امرأة واحدة ولا يتسرى عليها ، فإن زنت باعها وإن زنا باعته ، وليس لهم طلاق ، ويورثون النساء جزأين والذكور جزءا ، ومن سننهم أن لا يلبس الجباب الحمر إلا ملك ، وهم يخففون الحكم عن الشريف ويثقلون على الوضيع حتى يبلغ به البيع ، ومن أحكامهم أنّ من زنا بأمة غيره في دار سيدها فعليه حد معروف ، فإن زنا بها خارج الدار فلا شيء عليه كأنه لم يأت ريبة ، ومن أولد عندهم أمته فولده منها زنيم ولا يجوز لذلك الولد عندهم رتبة القسيسية ولا يرث أباه إذا كان له ولد من حرة ، وولد الحرة يحيط بميراثه ، وان لم يكن له ولد غير ولد الأمة ورثه ، وهم يفطرون في صومهم يومين من كل جمعة ، وهما : يوم السبت ويوم الأحد ، وأمر الصوم عندهم خفيف ليس بالشديد اللزوم وإنما أصله عندهم الصوم الذي كان صامه المسيح بزعمهم استدفاعا لا بليس ، وكان صومه أربعين يوما موصولة بلياليها في قولهم ، وهم لا يصومون يوما كاملا ولا ليلة كاملة ، ومن كان بين المسلمين منهم يؤخر الفطر حياء منهم ، وهم في موضع مملكتهم لا يصومون إلا نصف النهار أو نحوه ، والمواظب منهم للصلوات والجماعات من شهد الكنيسة يوم الأحد وليلته وأيام القرابين السبعة ، ولو غاب عنها عمره كله لم يطعن عليه بذلك طاعن ولا عابه عائب ، وليس يشتمل مصحف النصارى الذي هو ديوان فقههم وكنز علمهم وعليه معوّلهم في أحكامهم واعتمادهم في شرائعهم إلا على خمسمائة وسبع وخمسين مسئلة ، ومن هذه المسائل على قلتها مسائل موضوعة لا معنى لها ولا حاجة بهم إلى تقييدها لم تقع في سالف الزمن ولا تقع في غابره ، وليست سنتهم مأخوذة من تنزيل ولا رواية عن نبي وإنما جميعها عن ملوكهم ، وأيمانهم التي لا بعدها : بالله الذي لا بعده « 2 » غيره ولا يدان إلا له ، وإلا فخلع النصرانيّة وبرئ من المعمودية وطرح على المذبح حيضة يهودية ، وإلا فلعنه البطريق الأكبر والشمامسة والديرانيون وأصحاب الصوامع ومقربة القربان ، وإلا فبرئ من الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا الذين خرجوا من بيوتهم حتى أقاموا دين النصرانية ، والا فشق الناقوس وطبخ فيه لحم جمل وأكل يوم الاثنين مدخل الصوم ، والا تلقى اللّه بعمل إسحاق طري اليهودي .
رومية المدائن
« 3 » : هي إحدى بلدان المدائن التي كان ينزلها كسرى ملك الفرس بالعراق ، يقال لها رومية المدائن ، والمدائن على مسافة بعض يوم من بغداد ، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة على جانبي دجلة شرقا وغربا ، ودجلة يشق بينها ، ولذلك سميت المدائن ، والغربية منها تسمى بهرسير والمدينة الشرقية تسمى العتيقة ، وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه ، وتتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها ، وفيها الإيوان إيوان كسرى العجيب البنيان ، الشاهد بضخامة ملك بني ساسان ، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه ، وهو من أكابر ملوكهم ، كما بنى ببلاد فارس وخراسان مدنا كثيرة .
وكان الإسكندر ، وقيل إنه ذو القرنين ، بلغ مشارق الأرض ومغاربها وله في كل إقليم أثر ، فبنى بالمغرب الإسكندرية ، وبخراسان سمرقند ومدينة الصغد ، وبخراسان السفلى مرو وهراة ، وبناحية الجبل جي وهي أصبهان ، ومدنا كثيرة في نواحي الأرض وأطرافها ، وجال الدنيا كلها فلم يختر منها منزلا سوى المدائن ، بناها مدينة عظيمة وجعل عليها سورا أثره باق ، وهي التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي ، وبها مات ، وحمل إلى الإسكندرية لمكان والدته ، فإنها كانت إذ ذاك باقية هناك .
وفي رومية كان ايقاع أبي جعفر المنصور بأبي مسلم بالقتل سنة ست وثلاثين ومائة ، وكان المنصور بعث إليه بعد ظفره بعسكر عبد اللّه بن علي ، وكان خرج على المنصور وحاربه أشهرا ، ثم انهزم عبد اللّه وظفر أبو مسلم بعسكره ، فبعث المنصور يقطين بن
هامش
( 1 ) ص ع : دمه .
( 2 ) ص والبكري : يعبد .
( 3 ) راجع في ما تقدم مادة « بهرسير » و « خطرنية » و « دير الأعور » ، وانظر مروج الذهب 6 : 177 - 183 .