تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
وزوجته أمّ الدرداء رضي اللّه عنهما ، وفضالة بن عبيد ، وسهل ابن الحنظلية ، ومعاوية بن أبي سفيان وأخته أمّ المؤمنين أمّ حبيبة ، وواثلة بن الأسقع ، وبلال بن رباح مؤذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأويس القرني ، وخلفاء بني أمية رضي اللّه عنهم . ولدمشق ثمانية أبواب : باب شرقي ، وهو شرقي [ المدينة ] وفيه منارة بيضاء يقال إن عيسى عليه السّلام ينزل فيها كما جاء في الأثر أنه ينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق ، ويلي هذا الباب باب توما ، ثم باب السلامة ، ثم باب الفراديس ، ثم باب الفرج ، ثم باب النصر ، ثم باب الجابية ، ثم باب الصغير . والأرباض تطيف بالبلد كله إلا من جهة الشرق مع ما يتصل بالقبلة يسيرا وله أرباض كثيرة ، والبلد ليس بمفرط الكبر وهو مائل للطول ، وفي داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن كبير تعرف بكنيسة مريم ، ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها ، وهي بأيدي الروم لا اعتراض عليهم فيها . وبالبلد نحو عشرين مدرسة ومارستانان ، أحدهما جاريه في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا وله قومة برسم المرضى والنفقة التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية ، والأطباء يبكرون إليه كل يوم ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية ، وفيه مجانين معتقلون لهم ما يخصهم من العلاج ، وهم في سلاسل موثقون ، نعوذ بالله من البلاء . ومن اغرب أحاديثهم أن رجلا كان يعلم القرآن ، وكان يقرأ عليه صبي من أهل البلد اسمه نصر اللّه هام به المعلم وزاد كلفه به حتى اختل عقله وأوى إلى المارستان ، واشتهرت علّته وفضيحته بالصبي ، فقيل له : اخرج وعد إلى ما كنت عليه من القرآن ، فقال متماجنا : وأي قراءة بقيت لي ؟ ما بقي في حفظي من القرآن شيء سوى :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
فضحك منه ، نسأل اللّه العافية ، وما زال هناك حتى مات ، لطف اللّه به . وأمّا رباطات الصوفية التي يسمونها الخوانق فكثيرة ، وهي قصور مزخرفة ، في جميعها الماء يطرد . وهناك ديار موقوفة لقراءة كتاب اللّه تعالى يسكنونها ، ومرافق الغرباء أكثر في البلد من أن تحصى لا سيما لحفّاظ كتاب اللّه تعالى والمنتمين للطلب . وبهذه البلدة قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية وهي بإزاء باب الفرج ، وبها جامع السلطان . وبهذه البلدة قرب مائة حمّام ، وفي أرباضها نحو أربعين دارا للوضوء يجري الماء فيها كلها ، وهي أحسن البلاد للغريب لكثرة المرافق ، وأسواقها من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاما ولا سيما قيساريتها . وأهل دمشق يمشون أمام الجنازة بقراء يقرءون القرآن بأصوات شجية وتلاحين مبكية برفيع أصواتهم ، وكلهم يمشون وأيديهم إلى خلف ، قابضين بالواحدة على الأخرى ، ويركعون للسلام على تلك الحالة ، والمحتشم منهم من يسحب أذياله على الأرض شبرا ويضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى ، ويستعملون المصافحة إثر الصلوات لا سيما إثر صلاة الصبح وصلاة العصر . ودمشق « 1 » جامعة لصنوف المحاسن وضروب الصناعات وأنواع الثياب الحرير كالخز والديباج النفيس ويتجهز به إلى جملة الآفاق ، وفي داخل دمشق على أوديتها أرحاء كثيرة جدا ، وبها من الحلاوات ما لا يوجد بغيرها ، وأهلها في خصب أبدا ، وهي أعز البلاد الشامية وأكملها حسنا . وكان الوليد فرش داخل المدينة بالرخام الأبيض المختم باللازورد تختيما متداخلا من أصل الحلقة ، وحيطان المسجد بالفسيفساء وسقفه لا خشب فيه وهو مذهب كله ، وله ثلاث منارات : المنارة الواحدة التي في مؤخر المسجد [ واثنتان في غربه وشماله ؛ والمسجد ] مذهب كله من أعلاه إلى أسفله ذهبا وفسيفساء ، وفي صحن المسجد قبة قد أحكمت صنعتها وأتقنت أشد الاتقان ، فيها فوارة من نحاس محكمة العمل يفور منها الماء ويرتفع نحو القامة ثم ينزل في حوض رخام بديع ويستدير بهذه القبة شباك من حديد ، وسطح الفوارة فسيفساء فيه صور غزلان وغيرها من الحيوان ، فإذا أشرفت على الفوارة وهي مملوءة ماء رأيت منظرا أنيقا . وعند الباب الشرقي من المسجد قبة في أعلاها قناة رصاص ولها أنابيب من نحاس قد أخرجت من حدود القبة توقد فيها السّرج ، وفي حيطان المسجد قناة للماء بأقفال ينزل ماؤها في حياض رخام في وسط كل حوض عمود من نحاس يندفع منه الماء مرتفعا علوا ، وفي أعلى مسجد دمشق قبة خضراء مشرفة جدا . وجبانة دمشق في الجنوب منها ، يكون طولها ميلا في مثله . قالوا « 2 » : ومرّ الوليد من عبد الملك حين بنى مسجد دمشق برجل ممن يعمل في المسجد وهو يبكي ، فقال : ما قصتك ؟ قال :
هامش
( 1 ) عاد للنقل عن نزهة المشتاق : 116 . ( 2 ) المسالك 1 : 187 .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 240 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس