تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
هو باب الفراديس وهو باب كيسان « 1 » ، ونهرها يحيط بمدينتها من كل ناحية حتى يلتقي من جهة الغوطة ، وفي باب توما أربعة أنهار : نهر برزة ونهر ثورا « 2 » ونهر يزيد ونهر القناة ، وتسير في مدينة دمشق حتى تنتهي إلى باب الفراديس مقدار ميل إلى عين حران ، وهي ثلاث ديارات ، وقصر ابن طولون إلى جانبه ، ومما يلي الباب الغربي وهو باب الجابية المصلّى ، وتسير من المدينة في بساتين إلى باب صغير وعليه خمس صوامع للرهبان . وفي سور دمشق فتح كالأبواب تدخل منها الأنهار إلى المدينة وهي تجري داخل المدينة وتخرق دورها وأسواقها ، والأسواق كلها مسقفة على هيئة سقوف المسجد الجامع بها ، وأرضها مفروشة . ومسجد جامعها بناه الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين ، وهو داخل المدينة ، وليس « 3 » على وجه الأرض مثله بناء ولا أحسن صفة ولا أتقن إحكاما ولا ابدع منه تلميعا بأنواع الفصوص المذهبة والآجر المحكوك والمرمر المصقول ، فمن جاء من ناحية باب جيرون صعد إليه في درج رخام نحوا من ثلاثين درجة ، ومن قصده من ناحية باب البريد والقبة الخضراء وباب الفراديس كان مدخله مع الأرض بغير درج . ومن عجيب شأنه أنه لا تنسج به العنكبوت ولا يدخله الطائر المعروف بالخطاف ، وفيه آثار عجيبة منها الخزان « 4 » ، والقبة التي فوق المحراب عند المقصورة يقال إنها من بناء الصابئة ، وكان مصلاهم بها ، ثم صار في أبدي اليونانيين فكانوا يعظمون فيه دينهم ثم صار بعدهم لعباد الأوثان ، فكان موضعا لأصنامهم ، ثم انتقل إلى اليهود فقتل في ذلك الزمان يحيى بن زكريا فنصب رأسه على باب المسجد المسمى بباب جيرون ، ثم تغلب عليه النصارى فحولته بيعة يقيمون بها دينهم ، ثم افتتحها المسلمون فاتخذوه جامعا ، فلما كان في أيام الوليد بن عبد الملك ابن مروان جعل أرضه رخاما ومعاقد رؤوس أساطينه ذهبا ومحرابه مذهبا وسائر حيطانه مرصعة بأشباه الجوهر ، والسقف كله مكتب بأحسن صنعة وأبدع تنميق ، وأنفق في هذا المسجد خراج الشام كله سنتين . وكان « 5 » بعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره باشخاص اثني عشر ألف صانع من جميع بلاده ، وتقدم إليه بالوعيد في ذلك ان توقف عنه ، فامتثل أمره مذعنا بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك ، فشرع في بنائه وبلغ الغاية في التأنق فيه ، وأنزلت جدره كلها بفصوص الفسيفساء وخلطت بأنواع من الأصبغة الغريبة وقد مثلث أشجارا وفرعت أغصانا منظومة بالفصوص ببدائع من الأصبغة الغريبة ، فجاء يعشي العيون وميضا ، وكان مبلغ النفقة حسبما ذكره ابن المعلى الأسدي « 6 » في بنيانه أربعمائة صندوق ، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار ، فكان مبلغ الجميع أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار . والوليد هو الذي أخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه لأنه كان قسمين : قسما للمسلمين وقسما للنصارى ، وهو الغربي ، لأن أبا عبيدة ابن الجراح رضي اللّه عنه دخل البلد من الجهة الغربية فانتهى إلى نصف الكنيسة وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى ، ودخل خالد ابن الوليد رضي اللّه عنه عنوة من الجهة الشرقية وانتهى إلى النصف الثاني وهو الشرقي ، فاختاره المسلمون وصيروه مسجدا ، وبقي النصف المصالح عليه وهو الغربي كنيسة بأيدي النصارى إلى أن عوضهم منه الوليد فأبوا ذلك فانتزعه من أيديهم قسرا وطلع لهدّه بنفسه ، وكانوا يزعمون أن الذي يهدم كنيستهم يجن ، فبادر الوليد وقال : أنا أول من يجن في اللّه تعالى ، وبدأ بالهدم بيده فبادر المسلمون هدمه ، واستعدوا عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه أيام خلافته وأخرجوا العهود التي بأيديهم من الصحابة رضي اللّه عنهم في إبقائه عليهم فهمّ بصرفه إليهم فأشفق المسلمون من ذلك ، ثم عوّضهم من ذلك بمال عظيم أرضاهم به فقبلوه . ويقال إن أول من وضع جداره القبلي هود عليه السّلام ، وفي أثر أنه يعبد اللّه تعالى فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة ، وذرعه في الطول من المشرق إلى المغرب مائتا خطوة وهما ثلاثمائة ذراع ، وعرضه من القبلة إلى الشمال مائة خطوة وخمس وثلاثون خطوة وهي مائتا دراع ، فيكون تكسيره من المراجع أربعة وعشرين مرجعا ، وهو تكسير مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، غير أن الطول في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من القبلة إلى الشمال ، وبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاث مستطيلة من المشرق إلى المغرب ، سعة كل بلاطة ثمان عشرة خطوة ، والخطوة ذراع ونصف ، وقد قامت على ثمانية وستين عمودا ، منها أربع وخمسون
هامش
( 1 ) صحيح أن باب الفراديس شمالي ، ولكن باب كيسان غير باب الفراديس وهو أي باب كيسان قبليّ شرقيّ ، وكيسان المنسوب إليه هو مولى بشر بن عبادة الكلبي ، ويقول ابن عساكر : « وهو الآن مسدود » ( 2 : 185 ) . ( 2 ) ص ع : بوران . ( 3 ) عن نزهة المشتاق : 116 . ( 4 ) نزهة المشتاق : الحجران . ( 5 ) عن ابن جبير : 261 . ( 6 ) ص ع : الآمدي .